والتعليل بعدم الحماية عليل، وليس الزكاة كالجزية، ولا العلة في وجوبها حماية أهلها وأمانهم، إنما هي عبادة مالية بحت، حُمي صاحبها أو لم يحُم، أمن أو لم يأمن، ويمكن الاستدلال بهذا على ضعف الرواية، فمثل هذه التعليل ما ينبغي أن يصدر عن ذلك الإمام الجليل، وقد قال عليه السلام في الأحكام: وإذا كان في الزمان إمام حق فإليه استيفاء الزكوات كلها من أصناف الأموال الظاهرة والباطنة، وإلى من يليه من قبله، وله أن يجر() أرباب الأموال على حملها إليه، ويستحلف من يتهم بإخفائها، قال في (الانتصار): وحكي عن الناصر أنه قال: وللإمام المطالبة بزكاة الأموال الظاهرة والباطنة، وليس لأربابها أن يدفعوها إلى أحد من يحبون من قرابتهم، ويلزمهم دفعها إلى الإمام ومن يلي من قبله بأمره ليدفعها إليه، وللإمام أن يعزِّر مَنْ فعلها.
قال الإمام يحيى عليه السلام : فهذان الإمامان قد تطابق كلامهما، وتوافقا على أن نظر الزكوات إلى الإمام الذي على الحق والعدل.
قُلْتُ: وليس في كلامهما عليهما السلام هذا تصريح ولا تعريض بأن ذلك مقصور على جهة دون جهة، ولا على ناس دون ناس، ولا أنه يتوقف على نفوذ الأوامر، ثم نقول لأهل الفتوى: -تلك الفتوى المتبعة للأهواء-: قد نص في الياقوتة وغيرها على أن الأفضل عند أهل هذا المذهب الصرف إلى الإمام، فإذا أفتيتم به فلمَ لم يعرفوا العوام بأن الأفضل خلاف ذلك، ثم نقول لهم: قد ذكر الفقيه العلامة يوسف بن أحمد بن عثمان في (الزهور) وغيره، وحكوا عمن حكوا عنه أن هذا مع عدم مطالبة الإمام بالحقوق، فأما مع المطالبة منه فيكون أمرها إليه إجماعاً، ثم نقول: قد نص أهل المذهب على أن للإمام أن يلزم الناس مذهبه فيما يقوي به أمره، فأين أنتم عن الالزام عن وجوب (الالتزام)؟ ثم نقول لهم: هلا قصدتم الله عز وجل في العوام بأن تفتوهم بما هو الأحوط لهم في دينهم؟ فإن القائلين بأن ولايتها إليهم يقولون بأن صرفها إلى الإمام أفضل، والقائلين بأن ولايتها إلى الإمام يقولون صرفهم لها بأنفسهم لا يجزيهم ويصيرون آثمين مطالبين بها في الدنيا والآخرة، فأي شيء هو الأولى لهم تسليمها إلى الإمام فيقع الخلاص لهم إجماعاً؟ أو تفريقها بأيديهم فيكونوا في ذلك عند البعض آثمين مجرمين مفرطين متبوعين؟ بل أعظم من هذا أن الإمام المنصور بالله عليه السلام نص في المهذب أنه من أخذ الزكاة في عصر الإمام معتقداً لجواز الأخذ كان رده، لرده ما علم ضرورة، وإن أخذ ما علم بالتحريم كان فسقاً، وهكذا يكون عنده حكم الصارف إذ لا فرق، فهلا إذا كنتم لستم في منصب الإفتاء، وإنما قصدتم الحكاية حكيتم هذا المذهب الفاجع الزائغ، المقتضي للهرب مما نص هذا الإمام الجليل على أنه درة وكفور، نعوذ بالله منه ومن السلوك في مسالك الغرور، فيتبين أن المفتي بذلك المذهب من أهل الأهواء والأغراض والقلوب المراض.
واعلم: أن مذهب أبي طالب في هذه المسألة ضعيف جداً، وقد وقفنا لبعض العلماء على نسبته فيه إلى الغلط، ثم إنا نوضح ضعف هذا المذهب بوجوه غير ما تقدم ذكره.
أحدها: أن نقول: تسليم الحقوق إلى الإمام حق من حقوقه الواجبة على الإمام، وقد صرحتم بسقوطه عمن لم تنفذ أوامره عليه، ولم يكن من أهل الناحية الذين تظهر عليهم طاعته، وتنفذ عليهم وطأته، فهل تقولون أن سائر حقوقه التي يجب له من طاعة أو محبة والالتزام بعروته والجهاد بين يديه وإجابة داعيه وغير ذلك ساقطة عمن تلك صفته بسقوط وجوب تسليم الحقوق إليه أو لا؟
إن قلتم: نعم هي كلها ساقطة عنه كسقوطه، كان حاصل كلامكم أنه من لم ينفذ أوامر الإمام عليه لم يتوجه الخطاب بوجوب طاعته إليه، فيكون وجوب القيام في حقه كعدمه، ولا يثبت إلى الإمام حكم من الأحكام إلا في حق من جرت أحكام ولايته عليه، حتى لو لم ينفذ أوامره إلا على أهل محله لم يكن إماماً إلا لهم فقط، ولو لم ينفذ أوامره على أحد لم يكن إماماً لأحد وكان كواحد من سائر الناس، وهذا إبطال لأحكام الإمامة، وتنكيس لها على الهامة، ورمي بها في جب ثمانين قامة، هذا مالا ينبغي أن يقول به مميز من الناس، ولا يلتبس عليه شيء من الالتباس.
وإن قلتم: إنه لا يسقط عمن لا ينفذ أوامره عليه من حقوقه إلا ذلك الحق فقط، وبقية حقوقه باقية واجبة، ومن ينفذ أوامره عليه لازمة، قلنا: هاتوا لنا المخصص وأبرزوه، الذي قضى بأن الإمام إمام في جميع الأحكام إلا هذا الحكم المخصوص، فخروجه عنه منقوص، وهو تخصيص من غير مخصص، وفرق من غير فارق مخلص.
وثانيها: أن نقول: أخبرونا عن مقاتلة الخلفاء الراشدين والأئمة الهادين الذين كانوا عن تسليم الحقوق إليهم متمردين، هل قاتلوهم على أمر يستحقونه عليهم وولايته إليهم أو لا؟
إن قلتم بالثاني فقد جعلتموهم باغين، وعلى من قاتلوهم متعدين، وإن قلتم بالأول فقد أبطلتم ما ذهبتم إليه، وعرفتم أن لا تعويل عليه، ولولا عموم ولاية الإمام لما ساغ له أن يقاتل مانع الزكاة عنه، ولا يقاتل إلا من لا نفوذ لأوامره عليه، وقد قلتم: لا يجب عليه أن يسلم الزكاة إليه.
وثالثها: أن نقول: أليس الإمام إذا دعا فهو في حال دعوته ومبتدأ أمره لا تنفذ أوامره على أحد من الناس بلا إشكال في ذلك ولا إلباس؟ فلو أن الناس كلهم مع معرفتهم لصحة إمامته، وجمعه لشرائطها، واعترافهم بذلك، منعوه الزكوات، والحقوق الواجبات، وقالوا: لا ولاية لك على ما لدينا من الحقوق، لأن أوامرك الآن لا نفوذ لها علينا، فنفقرها على المستحقين بأيدينا، أليس كلامهم صواباً على رأيكم؟ فأخبرونا كيف يستقيم أمره بعد ذلك، ويتهيأ له الجهاد، ومنابذة الظالمين، والنظر في مصالح الدين؟ إنه لا يستقيم له حال إلا بما يقع في يده من بيت المال، وهذا أمر ظاهر لا يدفع، ومكشوف لا يتقنع، فتبين لك بما ذكرناه وأوضحناه أن هذا المذهب لا يعول عليه ولا يلتفت إليه، ولا يفتى به من يريد وجه الله تعالى والدار الآخرة، وإنما يفتي به أهل الأهواء الباطنة والظاهرة، وكافيك عن ذلك كله أن الأدلة الدالة على ثبوت ولاية الإمام في ذلك لم تفرق بين من تنفذ أوامره عليه، ومن لا نفوذ لها في حقه، وأنه لا يعلم للقول بالفرق في هذه المسألة حجة عليه، ولا دليل يتوجه إليه، والله أعلم بالصواب، وهو المرجو لإزاحة الشك والارتياب.