قال الفقيه [يوسف] ابن عثمان() رحمه الله تعالى وأعاد من بركاته في (الثمرات): ويحتمل أن المراد صدقة النقد أو مع عدم الإمام، انتهى.
ولا كلام أن دلالة هذه الآية غير صريحة ولا واضحة، فإنه مرجوحة غير راجحة، لما تقدم من أدلة المذهب المختار، وقال الشافعي في أحد قوليه وهو الجديد وكذلك زكاة الأموال الظاهرة كالمواشي وما أخرجت الأرض، ولا حجة له في هذا إلا القياس على الباطنة، وإذا اختل الأصل لم يصح ما يبنى عليه، فهذا ما سنح ذكره في هذا الفصل، واقتضى المقام ذكره، والمسألة مبسوطة في مواضعها من الكتب الفروعية.
تنبيه:
وفي حكم الزكوات في ثبوت ولاية الإمام عليها، واستنادها إليه: الفطرة، والخمس، والجزية، والخراج، كالصلح وما جرى هذا المجرى، وبالجملة فجميع الحقوق إلا ما كان وجوبه سبب من المكلف كالكفارات والمظالم المجهولة، ما هو بسبب منه فالجمهور أن ولايته إلى من وجب عليه، ولا يخلو عن خلاف تحقيقه في موضعه، والله تعالى أعلم.
اعلم: أنَّ مدار أمر الإمام فيما يراد منه، وما يقوم لأجله عن حقوق الله ومصيرها إليه؛ أداء الجهاد الذي هو سنام الإسلام وأجل فرائضه، لا يقوم ولا يتهيأ إلا ببذل الأموال، وتجنيد الأجناد، وإعطاء الرغائب، وكذلك غيره من مصالح الدين ومواساة المحتاجين، وتعهد المساجد والمناهل، وإحياء العلم والتدريس، وإطعام الطعام، وارتباط الخيل، وغيرها مما يدور أمره عليه، والانفاق على العالم والعهد وغير ذلك، بحيث أنه لولا ثبوت الأموال وحقوق الله لما أمكنه النظر في شيء من تلك الأمور، ولكان كآحاد الناس لم تستقم له راية، ولا كان على إمامته آية، فسبيل من وفقه الله تعالى للقيام بحق الإمام تعظيم هذا الحق الذي للإمام في قلوب أهل الإسلام، والحث عليه والدعاء إليه، ومن التفريط في جنب الله والإساءة إلى الإمام الداعي إلى الله تعالى ما اعتاده كثير من المتسمين بالفقه، المتسمين بالتشنيع، المدعين للتمييز من التثبيط للناس عن تسليم الحقوق إلى الإمام، والترخيص لهم في ذلك وإفتائهم بأن ولاية زكواتهم إليهم، ومدار النظر فيها عليهم، وأنه هو المختار للمذهب، وليس وراء ذلك للمرء مطلب، والذي دعاهم إلى ذلك التحامل على الإمام، وكراهية الصلاح لأمره، والانتظام والتهافت على اختطاف الزكوات، والولع بالأخذ وقول هات، بحيث أنهم لو رضوا عن الإمام وحظوا منه بالمرام ما أفتوا بهذه الفتوى، ولا صرحوا بهذه الدعوى، وما أفتوا بما أفتوا إلا اتباعاً للأهواء، وخبطاً كخبط عشواء، ولا تحل الفتوى إلا لذي الاجتهاد والنظر الوقاد، أو لذي الترجيح الفارق بين السقيم والصحيح، ما قرر كلاماً في كتاب، أو قرأ قراءة بتلقن مرتاب، فحقه الإعراض والسكوت، ليس... قادر حي، ولكن التجاسر على الفتوى ممن ليس بأهلها من بدع الزمان.
|
وخير
أمور الناس ما كان سنة |
وشر الأمور الـمحدثات البدائـع
وهذا المذهب مشهورة نسبته إلى أبي طالب()، وروي عن الهادي والناصر وأبي العباس، وظاهر كلام (الانتصار) أنه إنما عزي إلى الهادي عليه السلام لما في سيرته من كونه نهى عن أخذ الزكاة ممن يأتى من البلاد التي لا يليها، لأنه لا يحميهم، فإن سلموها طوعاً جاز، وهذه رواية الله أعلم بصحتها.