تنبيه:

من كان من أهل التثبيط أو من كان يظهر منه الفساد على الإمام، فلا ينبغي أن يأذن له الإمام بالخروج معه أو مع بعض أمرائه، ولا يجوز للمؤمنين أن يصطحبوه، وحال من يظهر منه الفساد على أحد وجوه:

 منها تخذيل المسلمين عن الجهاد، كأن يصف كثرة أهل الحرب، أو كثرة خيولهم، أو جودة سلاحهم، وأنه لا طاقة للمسلمين بهم، فمثل هذا يهنهم، ويكسر من هممهم في الإقدام على القتال.

ومنها: أن يصدر منه ما يكون فيه عون لأعداء الحق كأن يزعم أن وراءهم مدداً عظيماً، أو أن من ورائهم كميناً أو جيشاً كثيراً.

ومنها: أن يأتي بغير هذا المعنى من الإرجاف، وما يُيئِّس المسلمين عن النيل من خصومهم لقوة شوكتهم، ونحو ذلك.

ومنها: أن يكون جاسوساً وهو الذي ينقل أخبار أهل الحق إلى أعاديهم، ويدلهم على عوارتهم، ويفضي إليهم بأسرارهم، وهؤلاء لا ينبغي أن يصحبوا الإمام في سفر ولا حضر ولا جيوشه، وهم المقصودون في قوله تعالى: {وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِيْنَ} [التوبة:46] {لَوْ خَرَجُوا فِيْكُمْ مَا زَادُوْكُمْ إلاَّ خبَالاً ولأوَضْعُوا خِلالَكُمْ} [التوبة:47]، أي ما زادوكم إلا ضرراً وفساداً، ولأوقعوا الخلاف بينكم.

وقيل: لا تسرعوا إلى تفريق جموعكم، لا يقال: فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم  يأذن لعبد الله بن أبي في الخروج معه، وكان جامعاً لهذه الخصال الرذائل، وكان من أعظم المثبطين والمخذلين، لا بالقول،  أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  كانوا لا يلتفتون إلى مثله، لأنهم أهل البر والتقوى، وأين جنود الأئمة عليهم السلام  ومن يصحبهم منهم؟ ولأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  كان ينزل عليه الوحي بأخبارهم، وما يصدر منهم فيطلع على مكرهم بخلاف الأئمة  عليهم السلام .

7ـ حكم الجاسوس

وقد تقدم ذكر صفته قال الإمام يحيى عليه السلام : إن كان جاسوساً لأهل الحرب جاز قتله إن كان في دار الحرب، وإن دخل دار الإسلام بغير أمان جاز ذلك وجاز استرقاقه، ويكون فيئاً لمن أخذه، وإن دخل بأمان طرد وأخرج لفساده، فإن امتنع نبذ إليه العهد وجاز قتله، وإن كان جاسوساً لأهل البغي قتل إن قتل قصاصاً، وكذا إن قتل أحد من المسلمين بسببه ما دامت الحرب قائمة بين الإمام والبغاة، وإن اتفقت الهدنة طرد ولم يقتل.

 ويلحق بهذا الباب ذكر مسألة جليلة القدر عظيمة الخطر، وهي أن من حقوق الإمام المفروضة على المسلمين تسليم الزكوات إليه وتبليغها حتى تصير بيده قليلها وكثيرها وصغيرها وكبيرها، وظاهرها وباطنها، ومن صرفها إلى غيره بغير أمره أعاد، ون اتهمه بالغل استحلفه بالمواثيق الشداد، والقول بأن الولاية في ذلك إليه هو مذهب الأئمة الأعلام والمحققين من علماء الإسلام والحجة على ذلك قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة:103]، وما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((ادفعوا صدقاتكم إلى من أولاه الله تعالى أمركم)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أُمِرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم)) ()، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم  لمعاذ حين أرسله إلى اليمن: ((اعلم أن في أموالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم)) ()، والإمام خليفة الرسول، والقائم مقامه فيما يتعلق بأحكام الشرع إلا ما خصه الدليل، وقد قال أبو بكر في أمر بني حنيفة: لو منعوني عقالاً -أو قال: عناقاً- مما أعطوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  لحاربتهم، ولم ينكره أحد من الصحابة رضي الله عنهم، بل استقر رأيهم كلهم على ذلك، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الأرشدين، والأئمة الهادين، خلفاً عن سلف، ما تباين رأيهم في ذلك ولا اختلف، والمعلوم من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وخلفائه وأئمة الأمة، استعمال العمال على الزكوات، وبعث السعاة في جميع الجهات، لقبض ظاهرها وباطنها، وخافيها في أداني الأرض وقاصيها، وجهاد من عصاهم في تسليمها، والتصريح بتشنيع جريمته وتعظيمها، وقد خالف الفريقان الشافعي وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه، في الزكوات الباطنة، زكاة النقدين وما في حكمهما، وأموال التجارة، والمعنى ما كانت زكاته ربع العشر فقالوا: إن ولاية ما هذه حاله إلى أربابها، وليس لولاية الإمام تعلق به، ونسب هذا إلى جماعه من متقدمي أهل البيت  عليهم السلام ، وحجة أهل هذا المذهب قوله تعالى: {إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وإنْ تُخْفُوهَا وتُؤْتُوْهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:271].

89 / 331
ع
En
A+
A-