وأما إذا فرط وغلا في التوقف، وطالت فيه مدته، وجاوز القدر المحتاج فيه فمخطيء آثم لتفريطه فيما أوجب الله تعالى عليه من القيام بحق الإمام، حيث كان المتوقف فيه كامل الشرائط ثابت الإمامة، ومن المباينة له وعدم التلبيس في أمره حيث كان غير ثابت الإمامة، فإنه من دعا وليس بكامل ولا محتوٍ للصفات المعتبرة والشروط المحررة فمباينته واجبة، لا ينبغي في حقه الإدهان، بل يجب كشف القناع والتحذير في حقه عن الاتباع، لأنه ترشح لما ليس أهلاً له، ودخل في أمور محرمة عليه، وتصرف تصرفات لا تسوغ له في النفوس والأموال، ولكن التوقف مع صحة إمامة الداعي أشد خطراً وأعظم تفريطاً، لأن الواجب عليه مع ذلك أوسع وأشد وألزم مما إذا كان الداعي غير إمام، ومع ذلك فهو أقل جريمة من النافي إلى سهولة التدارك والتلافي، وقد كان قال في (الغيث): البحث عن الإمام بعد بلوغ دعوته واجب مضيق لا يجوز التراخي عن البحث لغير عذر فسق، ولا يسعه الإخلال باعتقاد إمامة الإمام، والقطع بها إلا مهلة النظر فقط، لأن العزم على طاعته بعد بلوغ دعوته واجب مضيق للآية: {أطِيْعُوا اللهَ وأطِيْعُوا الرَّسُوْلَ وأُوْلِي الأمْرِ}، فقرن طاعته بطاعة الرسول، ولا شك أن طاعة الرسول واجبه مضيق، والنظر في صحة نبوته مضيق لأجل ذلك، فكذلك الإمام، قال: ولا منازع في ذلك ولا أحفظ فيه خلافاً، ولا أسمع أن أحداً من الأمة يُسوِّغ التراخي عن التزام أمر الإمام بعد قيامه، والالتزام يتوقف على النظر في كماله، فحينئذ يكون النظر في أمره واجباً مضيقاً من دون تردد.
فـائدة:
سلك بعض أهل الزمان في أمر الإمام مسالك غير معهودة، ولا ينبغي أن تكون لأهل المعرفة والديانة بمقصودة، وما هي إلا بدع محدثة منكرة، ومجانبة للمناهج الواضحة النيرة.
|
وخير
أمور الناس ما كان سنة |
وشر
الأمور المحدثات البدائع
فمن ذلك ما اعتمده بعض الأعيان من معاملة الإمام معاملة لا تقضي بنفي ولا إثبات ولا توقف، وأظهر مدح الإمام والثناء عليه والتعظيم له، والتمس منه الولاية في التصرفات المبتنية عليها، واستعطى منه، وقبل عطيته مما أمره طوعاً وكرهاً، ومما عاقب به العصاة، ومما ضمنه من عليه حقوق لله تعالى، وحصره فحث العوام على طاعته وبيعته ومصارفته، فهذا نوع يقضي بالإثبات، ويخالف حال المتوقف والنافي وينافيه.
ومن طريق آخر: يتحرى في مكاتبة الإمام عن وصفه بالإمامة، وعن تلقيبه بأمير المؤمنين، وعن الإجابة على من سأله عنه بأنه إمام، وهذا مقتضى حال النافي أو المتوقف، واستحسن هذه الطريقة وسلكها إلى أن فارق الدنيا، وتابعه غيره عليهاً، وربما كان يقول هذا رجل كان له كمال ومحاسن خلال، وقد أجابه وبايعه العلماء والفضلاء وأهل الحل والعقد، وهو أصلح وأنهض من غيره، وتأهله لهذا الأمر وقيامه بتكاليفه أصلح من طرحه له وإهماله إياه، وليس غيره يقوم مقامه، ومن مثل هذا يقضي العجب، فإن القواعد المعروفة قاضية بأن الداعي ليس إلا أحد رجلين، إما كامل الشروط جامع الصفات المعتبرة، حسن السيرة والسريرة فهو إمام قطعاً، ومتابعته ومشايعته والتصريح بإمامته كل ذلك واجب شرعاً، وإمَّا خالٍ عن كمال الشرائط منتقض الصفات، فالواجب نفي إمامته، وعدم إظهار متابعته، والحكم عليه بما يقتضيه حاله، واجتناب مذاهبه، وأما هذا المذهب الغريب، والدين المستحدث المريب، فهو من البدع المصادمة لما أوجب الله تعالى وشرع، ولولا محبة الإجمال والستر لأوضحنا الأمر، وصرحنا بما حمل على ذلك من الأغراض الدنيوية والمقاصد التي ليست بمرضية.
ومن ذلك ما اعتمده كثير من المميزين وأهل الدين من التهاون بأمر الإمام، وعدم الاحتفال به والاهتمام، وعدم مواصلته بلسان ولا قلم، وتنزيل وجوده منزلة العدم، وعدم الإنتهاض إليه، ورفض التعلق والتعويل عليه، حتى كأن هذا تكليف قد نسخ، أو أمر قد فسخ، ولا يظهر منهم أن ذلك لتحققهم لعدم كماله وانتقاص شرائطه وخصاله، ولو ادعوا ذلك لن يساعدوا إليه، ولا يقرروا عليه، وإلا فمن أين لهم الطريق إليه، فإنهم ما رأوا الإمام ولا أبصروه، ولا نهضوا إليه ولا اختبروه، وإن ادعوا أن ذلك تواتر لهم، وانتهى إليهم، فغير صحيح، لأن المعلوم من حال من واصل الإمام من ناحيتهم ونهض إليه من جهتهم أنهم لا يعودون منه إلا قائلين به، معتقدين لإمامته، محسنين للثناء عليه، وإنما الحوامل لهم على ذلك متنوعة.
فلعل منهم من حمله على ذلك محبة السكون والدعة، وعدم الاضطراب والزعزعة، والسلامة عن شوائب دنيوية تعرض لملتزم العروة الإمامية، كان حي والدنا الإمام علي بن المؤيد عليه السلام إذا سئل عن أعيان بايعوه وتابعوه أول الزمان، ثم رفضوا ذلك الشأن، يقول عليه السلام : غلب عليهم حب المدن، ولعل منهم من دعاه إلى ذلك الآنفة عن الانخراط في سلك الأتباع، والتعاظم أن يعد من زمرة الأشياع، وما كان ذلك يليق بذي ديانة وتحقيق، فإن الكبر على كل تقدير مذموم، وصاحبه في الدنيا منتقص ملوم، وفي الآخرة للجنة التي وعد المتقون محروم، فكيف إذا صد عن القيام بما أوجب الله تعالى من حقوق الإمام، ولعل منهم من يعتقد أن الإمامة درجة مرتفعة لا ينالها أحد من أهل الأزمان المتأخرة، ورتبة منيعة عليهم متنكرة متوعرة، وأنها أمر قد طوى وتعذر بكل حال، وما كانت إلا منذ مدة الإمام فلان، فما قبلها من الأزمان، وهذه جهالة ونوع ضلالة، فلم يكن مثل ذلك حجراً محجوراً، وما كان عطاء ربك محظوراً، وغير مستبعدة لا مستبدع أن يدخر لكثير من المتأخرين ما عزب عن كثير من المتقدمين، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وليس في العقل ولا في الشرع ما يقضي بأن شرائط الإمامة قد تعذرت، وأن مسالك الساعين إليها قد توعرت.