قُلْتُ: ظاهره وقف هذا الحديث على علي عليه السلام ، وهو مما رفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة ولفظه: ((ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بطريق يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً في سلعة بعد العصر فحلف له بالله تعالى لأخذا بكذا وكذا فصدقه وأخذها وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها ما يريد وفا له وإن لم يعطه لم يف له)) ().
ويتفرع على هذه الجملة سبعة أحكام
[1] حكم [العمل بقول الإمام]: هل قول الإمام يكون حجة يجب العمل به؟
حكي عن السيد أبي العباس والإمامية: إن قوله حجة فلا يجوز لأحد مخالفته فيما قاله، والذي عليه الجماهير من الأئمة وسائر الأمة أنه ليس بحجة، وفصل الإمام يحيى عليه السلام فاختار أنه حجة فيما يتعلق بالفتاوى دون غيرها لقوله تعالى: {ياأيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أطِيْعُوا اللهَ وأطِيْعُوا الرَّسُوْلَ وأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ}، وهو عام في وجوب الطاعة إلا ما خرج بدليل، ولقوله تعالى:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُوْلَ فقَدْ أطَاعَ اللهَ}، فإذا كان الإمام مطيعاً للرسول فيما أفتى به من الأحكام الشرعية وجبت طاعته، قَال: وهذا هو المراد بقولنا إن قوله حجة لا يجوز مخالفته فيما أفتى به من الأحكام الشرعية المطابقة للكتاب والسنة، فأما غير الفتاوى فلم تدل عليها دلالة فلهذا لم تكن لازمة.
واحتج القائلون بأنه حجة مطلقاً بأنه كما لا يجوز مخالفته فيما حكم به كذلك فيما قاله، واحتج النافون مطلقاً بأن إثباته حجة لا تصح إلا بدلالة عقلية أو شرعية، ولا دلالة على ذلك من أي الجهتين.
قُلْتُ: وحجة المسير بحجة قوله: مطلقاً. باطلة، لأن قياس ذلك على حكم قياس فاسد، إذ لا جامع بين الحكم وغيره، ولو لزم ذلك في الإمام للزم في الحاكم المنصوب للقضاء، إذ لا يجوز مخالفة حكمه.
وأما ما احتج به الإمام يحيى عليه السلام على ما اختاره من التفصيل فاحتجاج عليل -لا يخفى على متأمل- خفي وجهه ودلالته، وأن الذي احتج به -إن دل على أن قوله في الفتاوى حجة- فليدل على ذلك في غيرها فليس ما أدلى به يختص بالفتاوى دون غيرها.
وقوله: فإذا كان الإمام مطيعاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ... إلى آخر كلامه فيه ركة، وما كان مثل ذلك ينبغي أن يصدر عن مثله.
قُلْتُ: بل حكم من بلغه دعوة الإمام، وتحقيق ذلك: أنه إن علم جمعه للشرائط بالتواتر، فإن كان له عذر عن الوصول إلى الإمام لم يغفل عن الدعاء إليه وعن الدعاء له، والعذر كمرض مانع، أو كَفِل وَالِدَين عاجزين لا يجدان من يكفلهما غيره، أو ملازمة غريم لا يجد قضاءه، أوخوف على نفسه أو ماله، وإذا لم يكن له عذر توجه عليه النهوض إلى الإمام والبلوغ إليه لتحقيق حاله، فليس الخبر كالعيان، وليتعرف الإمام ويعرض عليه نفعه فيما يصلح له، كتولي عمل، أو قضاء، أو نحو ذلك كالوزارة، حيث كان من أهل الرأي والمشورة، ولا يجوز له التأخر والتراخي إلا حيث علم أن لا حاجة للإمام إليه.
قال الإمام يحيى عليه السلام : وإذا كان له مال وفيه سعة وجبت عليه المواساة له بما قدر عليه مما يكون فاضلاً عن كفايته وكفاية من يمونه، لقوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} [الصف:10]، إلى آخر الآيات فنفهم منه وجوب الجهاد بالمال كوجوبه في النفس، وإن علم بالتواتر أو الخبر عدم() جمع الداعي للشروط فلا يجب عليه النهوض إليه ولا إلى غيره إذ الإمامة باطلة.