قال الإمام يحيى: فإذا وقع من الإمام على جهة التعمد للعصيان بطلت إمامته لانعقاد الإجماع من أئمة العترة والفقهاء على أن الإمام لا يجوز أن يكون كافراً ولا فاسقاً، واستظهر عليه بتبريء النبي صلى الله عليه وآله وسلم  من خالد بن الوليد بقتله بني جذيمة،  وما كان من علي عليه السلام  في أمر ابن عباس لما ولاه الحجاز فأخذ ماله ، وأنكر عليه غاية الإنكار، ووبخه غاية التوبيخ، لما خان في عمالته.

قُلْتُ: المشهور أن ذلك كان في توليه على بعض الأمصار في العراق.

قال عليه السلام : وما كان من علي عليه السلام  في حق القعقاع برسوله والمغيرة بن شعبة من الإنكار عليهما لما خانا في عمالتهما وأخذاها ولحقا بمعاوية، فإذا كانت ولاية العمال تبطل بالفسق فهكذا حال الإمام تبطل ولايته مع الكفر والفسق أولى وأحق.

واعلم: أن الفسق ينقسم إلى باطن وظاهر، قال المهدي: فإن كان باطناً لم ينحل به عقد الإمامة، قال: لأنه قد جاز العقد لمن يجوز أن يكون باطنه الفسق وكذلك إذا حدث ولم يعلموه.

قُلْتُ: هذا الكلام قلق، فإن أراد أن الذي فسق باطناً إمامته صحيحة غير باطلة ولا ذاهبة حقيقة، وفي نفس الأمر نجيب إلى أنه بنفسه يجوز له أن يورد ويصدر ويتصرف كما لو لم يكن كذلك، فهذا بعيد، وما هو حينئذ إلا ظالم، مريد جمع إلى فسقه المبطل لحقه التصرفات العظيمة الذي هو الآن ليس من أهلها ولا بمحل لها.

وإن أراد أنه بعد ذلك باق على الإمامة في ظاهر الأمر، وفي حق الأمة، بحيث أنه لا جناح عليهم في طاعته ومتابعته والتزام أوامره ونواهيه إذ ليسوا متعبدين بما غاب عنهم، فهذا صحيح لا نزاع فيه، إلا أنه لا يعد مثبتاً لإمامته ومانعاً من بطلانها في نفس الأمر، كما فيمن عقد له والظاهر العدالة وهو في الباطن فاسق.

قال الراوي: إذا كانت معصيته سراً لم يطلع عليها، فلا تعود إمامته إلا بتجديد العقد عند القائلين به، لكن ليس عليه أن يطلعهم على فسقه وبطلان إمامته، بل القصد تجديد العقد، ولو أوهم أنه أراد بتجديده الاحتياط والتأكيد، بل لا يجوز أن يخبرهم بأنه عصى، وعلى القول بأن المعتبر هو الدعوة فإنه إذا تاب من تلك المعصية الباطنة تعود إمامته حيث كان باقياً على التجرد للقيام بأمر الأمة.

قال المهدي: وإن كان فِسْقه ظاهراً فاختلف الناس في ذلك، فالجمهور من المعتزلة والزيدية -وهو مذهب الشافعي() رضي الله عنه- أنه يخرج بذلك عن كونه إماماً، كما لا يجوز ابتداء العقد له، وهو الذي رواه العراقيون عن أبي حنيفة() ، وأنكروا أن يكون مذهبه جواز إمامة الفاسق، وحكي عن ابن الملاحمي من() معتزلة خراسان وأهل ما وراء النهر: إنه لا يعزل بالفسق الظاهر، وأنه يجوز العقد للفاسق.

ولمحمد بن الحسن() قولان في بطلان ولايته بالفسق، واحتج عليه السلام  على بطلانها بقوله تعالى: {لاينالُ عَهْدِي الظَّالِمِيْنَ} [البقرة:124]، وقرر الاحتجاج بها بما أمكن.

وعندي أن الاحتجاج بها ضعيف على القول بأن المسألة قطعية، واحتج بأن الإمامة إن ثبتت بالنص فلا يجوز أن ينص الله على فاسق ويأمر بالاقتداء به، وإن ثبتت بالاختيار فلا يجوز للمختارين اختيار من لا يثقون بدينه، لأنهم باختياره حكموه في دماء الناس وأموالهم.

80 / 331
ع
En
A+
A-