ثم اتفقّ بعد ذلك خروج الإمام المهدي وفكاكه من الأسر، وكانت للهادي على بن المؤيد في ذلك عناية، وبعد خروجه جاء قاصداً إلى الإمام الهادي إلى [صعدة] حتى وافاه بوادي فلله، حال نهوضه إلى صعدة لافتتاحها، بعناية من الأمراء آل زيد فاتفق وخطب كل منهما، وكانت خطبة الهادي منطوية على التهنئة له بخلوصه من السجن وخروجه منه، وختمها بأبيات رائية الروي، بليغة، مضمنة للبيت المشهور، وهو:

وما جئت حتى أيس الناس أن تجي

 

وسميت منظوراً وجئت على قدر

 يشير على أنه جاء حال الانتهاض لافتتاح تلك المدينة، ويزعم كثيرون أنه إنما ضمن أبياته البيت المذكور لتشير إلى حصول الأيس منه بخروجه وما يقتضي من بطلان إمامته وصحة إمامة نفسه.

 ثم كان لهما موقف شهده الفضلاء والعلماء بصعدة في دار القاضي يحيى بن عبد الله بن حسن الدواري في أول يوم الجمعة، وجرى فيه التسليم من المهدي للهادي، وأشهد على نفسه بذلك جماعة من الفضلاء، منهم السيد أحمد بن داود بن يحيى بن الحسين، والفقيه محمد بن صالح الآنسي، وبنوا على أنه يتولى خطبة الجمعة، ويذكر ذلك ويصرح به وخرجوا من تلك الدار وتفرقوا منها على ما ذكر، فلما فشى الخبر وساء كثير من الناس، فمن له نفار عن الإمام الهادي وكراهته لقوة شوكته -كالقضاة آل الدواري- احتالوا في بعض ما أبرمه من ذلك على يد رجل يقال له: (ابن مكابر)، يسعى في ذلك، وكان من أهل حلاوة اللسان، والإمعان في الخداع، والمهارة في المكر، حتى شوش قلب المهدي وثبطه عن ذلك، فانتظر لموعده، وتولى الصلاة، فلم يحضر بل أقام المطهر حتى كاد الوقت يفوت، فصعد الهادي المنبر وتولى الخطبة والصلاة، وحين فهم ذلك المهدي خرج من مطهره، ودخل وصلى مع الناس.

روينا ذلك كله بأسانيد صحيحة وروايات صريحة عن العدول الثقات، منهم والدي() قدس الله روحه، ومنهم رجل موثوق به من الفقهاء آل أبي الرجال، يرفعه إلى الفقيه محمد بن صالح،  ومنهم حي الإمام المتوكل() ، الكل منهم ساق في روايته وفيها اختلاف، ويتحصل مما اتفقوا عليه ما ذكر، إلا المتوكل فإنه لم يرو التسليم، بل التواطؤ عليه من طريقة أخذنا نسبة التعبير إلى ابن مكابر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

ولم يزل الهادي والمهدي مصطحبين، متواصلين، متجاملين، متراحمين، تدور بينهما مكاتبة ومراسلة، والمهدي بعد ذلك الموقف كالمتنحي وإن لم يظهر ذلك ولا يقطع() يده عن التصرفات بالكلية، بل ترك التلقب بأمير المؤمنين، وطوى ذلك من علامته، وإذا عرض عليه أحد ممن قد أجاب الهادي وبايعه أن ينحرف إليه أبى ذلك، وإذا خاض في صلح بين القبائل المتكادين وصعب الأمر عليه صرفهم إلى الهادي، وإذا طعن أحد على الهادي ذب عنه وأجاب على المطاعن، كما كان فيه في شأن أحمد بن قاسم الشامي() ، وكان من شيعة الهادي، ثم نَفَر ولفقَّ مناقشاً في السيرة، قضى بذلك منه عدم صلاح السريرة، ومر على المهدي كالمتحف له بذلك، فأجاب عن اعتراضه ولم يطلعها واحداً، واحداً وانقلب الشامي من عنده خائباً.

ولما توفي الهادي عزّا أولاه فيه، وتألم لذهابه ورقم في أول تعزيته الآية الكريمة: {إنَّ الَّذِيْنَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّاً} [مريم:96]، وكان إذا عنَّ ذكره له في كتبه يقول: قدس الله روحه ونوَّر ضريحه، وقدِمَ إليه والدي أكرم الله نزله وهو بناحية لاعة بعد موت والده الهادي، فسلم له ما تركه من الحصون بناحية اليمن، واستشاره في الديون التي مات وهي عليه، استدانها لبيت المال، فأمر قبائل خولان بتسليم واجباتهم لقضائها، رحمهم الله تعالى أجمعين، ورفع درجتهم في عليين، وجمع بينا وبينهم في دار النعيم وجواره الكريم.

الضرب الثاني: مما يبطل إمامة الإمام هو ما يتوقف على اختياره، ولا يزول معه التمكن من التصرف كالكفر والفسق.

79 / 331
ع
En
A+
A-