وأقل ما يلزم من ذلك أن يتبينوا ما يجب عليهم مما ذكر، ولم يؤثر عن أحد من الأئمة، ولا من علماء الأمة، أنه انتصب في سوق أو جامع أو مجمع ليشعر الإمامة، وإحرازه إياها وجمعه لنصابها، وأنه لا يجوز لهم اتباعه واستماعه، وطاعته ومحبته، وامتثال أوامره ونواهيه، حتى يحصل العلم بما ذكرناه، وكان يلزم في العوام إن عجزوا عن ذلك ولم يتمكنوا منه أن يسقط عنهم تكليف الإمامةوأن لا يجوز للإمام أن يدعوهم، ولا أن يقهرهم على ما يجب له من تسليم الحقوق وامتثال الأوامر، وأن لهم أن يعتذروا بأنه لم يحصل لهم العلم اليقين بإمامته، وعليه أن يقبل ويعذرهم فلا يدعوهم ولا يقهرهم، وهذه إلزامات لا زمة، فإن التزمها أصحابنا فقد اقتحموا من المحذورات جانباً، وكانوا ممن لم يجد إلا الأسنة مركباً، وإن قهقروا عنها وحادوا منها لم يكن لهم بد من الاعتراف بأن تحصيل العلم اليقين ليس من فروض العوام إن سلم أنه من فرض المميزين.
والذي يتوجه ويكون سليما من الشطط والأود أن معرفة الشرائط ووجه اشتراطها أن يعتمدوا معرفة إحراز الإمام كيفياتها واحتوائه عليها، إنما هو فرض جهابذة النقد وأرباب الحل والعقد، ومن هم في رتبة النصب والاختيار، وبمعزل عن مهاوي الشك، وإن فرض العوام أن يقتدوا بالعلماء الأعلام، فمن بلغهم دعوته وعرفوا من علماء زمانهم ومكانهم إجابته والتزام طاعته لزمهم أن يجيبوه، ويستمعوه، ويطيعوه، ويتبعوه، ويعتمدوا في أمر دينهم عليه، ويسلموا ما عليهم من الحقوق إليه، وينهضوا للجهاد بين يديه، ويأخذوا دينهم وما يحل لهم وما يحرم عليهم من لدنه، وإن اختلف علماء زمانهم في أمره كانوا مع من يعرفون أن علمه أرجح ودينه أصلح، وإن كانوا في درجة واحدة من العلم والدين اعتمدوا الأكثر، وإن استووا من كل وجه كان فرضهم التوقف، وهذا هو المذهب العدل والقول الفصل، وليس الإمامةوإن عظم شأنها، وارتفع مكانها، تساوي ولا تداني النبوة، ولا هي في اشتراط العلم اليقين كمثلها، ولا في محلها.
ومن المعلوم أنَّ الأنبياء لم ترشد أممهم إلى أنه يجب عليهم أن يعلموا نبوءتهم يقيناً، وأن ينظروا في ثبوتها، ويستدلوا على اتصافهم بها، وأن يتطرقوا إلى ذلك بمعرفة عدل الله وحكمته، وأنه لا يجوز من الحكيم أن يظهر المعجزة على الكاذب، وأن هذه المعجزة التي ظهرت على النبي خارقة للعوائد، خارجة عن نوع الحيل والشعابذ، ولا قالوا لمن جاءهم مسلماً من نحو الأعراب ومن لم يستطيع قرع هذا الباب لا يجوز لك أن تعتقد نبوءتنا ولا أن تجيب دعوتنا، إلا بعد أن تنظر في أمرنا، وتيقن صحة ما ذكرنا، فإنه إذا كان فرضه العلم اليقين، ومعرفة صحة النبوة بالأدلة والبراهين، لم يجز له أن يعتقد ذلك، ولو ثبتت النبوءة في نفس الأمر اعتقاداً غير يقين، لأنه يكون مُقْدِماً على مالا يؤمن قبحه، والإقدام على ما هذه صفته كالإقدام على القبيح، والمقدم على القبيح يجب الإنكار عليه، وليس يصح على الأنبياء أن يقروا من يرتكب محظوراً عليه ولا يساعدوه إليه.
ومِنَ المعلوم يقيناً أنَّ عادة الأنبياء عليهم السلام وهجيرانهم وديدنهم ما كان إلا قبول قول من جاءهم مسلماً، والسرور بمن وفد عليهم مؤمناً، مع علمهم من حاله أن النظر المؤدي إلى العلم لا يخطر بباله، ومما يشهد بذلك الخبر الذي أخرجه البخاري() ومسلم() وأبو داود() والترمذي() والنسائي() في كتبهم المشهورة، ورواية أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينا نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد إذ دخل رجل على جمل ثم أناخه في المسجد ثم قال: أيكم محمد؟ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متكيء بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكيء، فقال لي: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((قد أجبتك))، فقال له الرجل: إني سائلك فمشدد عليك، فلا تجد علي في نفسك، فقال: ((سل عما بدا لك))، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، الله أرسك إلى الناس كلهم، فقال: ((اللهم نعم))، فقال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: ((اللهم نعم))، قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: ((اللهم نعم))، قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ قال: ((اللهم نعم))، قال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من وراءي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة() أخو بني سعد بن بكر، هذا لفظ البخاري.
فانظر كيف أخذ ثبوت النبوة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبل كلامه في ذلك بعدما أكده بما أمكن من التأكيد، واشتد في اعتقاده وتصديقه له عليه، ولم يلتفت إلى غير ذلك، ولا بحث عن المعجز، ولا سأل عن دليل الصدق، وأقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ولم ينكره عليه، ولا تثبّت التصديق، ولا نبهه على النظر والاستدلال، ولا أرشده إلى ذلك المعجز بحال، ولا سياق القصة تقضي بأنه خطر له ذلك ببال، وكونه ذكر أنه رسول من وراءه من قومه ليعلموا على ما يأتيهم به من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والبلوغ إليه والدراية لما هو عليه، وحكى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينكره عليه ولا على من وراءه من قومه، وأقرهم على ذلك، فتأمل ما ذكرناه تأمل إنصاف، واغترف من هذا النمير الصاف.
الضرب الأول: ما هو من فعل الله سبحانه وتعالى ويخرج به عن التمكن من مباشرة ما قام لأجله كالجنون المطبق، والعمى، والصمم، والمرض المذهب للقوى، أو ما كان مبطلاً لأحد الشروط المعتبرة، فمتى صار كذلك ووقع اليأس من عوده على ما كان عليه من أوصاف الكمال خرج بمجرد ذلك عن الإمامة، ولا يفتقر إلى عزل ولا إخراج.
قال الإمام يحيى: أمَّا الجنون المطبق فلا خلاف بين أئمة العترة والفقهاء أنه موجب لبطلان الإمامة، لأنه من استمر عليه الجنون يكون حينئذ كالصبي، ومن كان كالصبي كيف يكون والياً على أمور المسلمين؟! قال: وأما العمى فلا خلاف بين أئمة العترة أيضاً والفقهاء أنه موجب لبطلان الإمامة، وحكى عن الشيخ أبي علي الجبائي أنه لا يكون مبطلاً لهما، واحتج على بطلان ما قاله بأن أمور الإمامة لا تستفيم إلا مع الصبر، قال: وأمَّا الزمانة المفرطة والمرض المقعد فهما مبطلان للإمامة بلا خلاف بين أئمة العترة والفقهاء لما ذكرناه.
قُلتُ: ولقائلٍ أن يقول أما ما كان من هذه الآفات والعوارض مقارناً للدعوة أو واقعاً عقيبها فلا كلام أن ذلك مانع عن المقصود، وصاد عن المراد، ولا معنى لانتصابه حينئذ، ولا غرض يعود منه.
وأمَّا إذا فُرِضَ أنَّ هذا أمْرٌ عرض له بعد أن استثبت أمره، وظهر قهره، وانتشر ذكره، ومهد الأمور وساسها، وبعث العمال، ونصب الكفاة، وصار يسوس الأمر ويدبره من مقره، وأوامره نافذة في النواحي ويتلقاه بالقبول، وفي كل جهة والي يدبر أمرها وينظر في حوادثها، ويقيم ما شرعه الله، وقام الإمام لأجله فيها من الجمعة والحدود وقبض الحقوق، وكف يد الظالم عن المظالم، ونصب راية الجهاد، والقيام بواجبه، فما المانع من بقاء إمامته، مع بقاء عقله وتدبيره وحسن رأيه، وكون الذي عرض له إما عمى أو صمم أو نحوهما، مما لا يمنعه عن فهم الوقائع والاطلاع على الحوادث والنظر فيها؟وكون العارض لا يبطل معه تصرفه وآرائه وسياسته، ولا يختل به خلل في أمره، وما قام له، لا فيما حضره، ولا فيما غاب عنه.