وأما من رجح الهاشمي على غيره من المعتزلة فكلامه قوي لوجهين: أحدهما قربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو مرجح ظاهر للإمامة أعرض عنه، فعلى كل واحد من الأمرين، ويجب معرفته إذا كان ظاهراً، إما بالموافقة أو بالتبرئ منه والإعراض عن أمره.
وقال القاضي عبد الله بن حسن الدواري: إنَّ معرفة شرائط الامامة، ومعرفة إمام الزمان واجب على كل مكلف من الآدميين، إذ على كل مكلف تكليف يتعلق بالإمامة، والإمام وهذا في حق الذكور، فأما المرأة فإن كانت عليها زكاة واجبة أو التزمت أمراً للإمام أن يلزمها إياه وجبت عليها معرفة إمامته وشرائط الإمامةوإلا لم يجب عليها، إذ لا تكليف عليها يتعلق بذلك، ومالا يتم الواجب إلا به يكون واجباً كوجوبه، ويدل على ذلك الإجماع أيضاً، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((تمسكوا بطاعة أئمتكم ولا تخالفوهم، فإن طاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله)) ()، والتمسك بالطاعة فرع على معرفة الإمام.
تنبيه:
مضمونه أنه: هل يجب على كل مكلف العلم اليقين في ذلك؟ أو يجب عليه العلم بما وجد السبيل إلى علمه عند بلوغ دعوة الإمام إليه ويقلد فيما لا سبيل إليه إلى العلم به في تلك الحال من الشرائط وإن انكتم العلم بذلك من بعد؟
قال القاضي عبد الله بن حسن الدواري: الظاهر من كلام العدلية أنه لا بد من العلم بجميع ذلك، ولا يسوغ له التقليد بشيء منه، علمه بالخبرة فهي كافية في ذلك، وما لم يعلمه بالخبر يطلب العلم به بالتواتر، وعليه شدة البحث وهو معذور في التزام حكم الإمامة قبل العلم بما ذكرناه.
وقال الفقيه حميد وغيره: لا بُدَّ من العلم بالشرائط إلا كونه مجتهداً فيكفي التقليد فيه.
وعن بعضهم: وكذلك التدبير وجودة الرأي يسوغ التقليد فيه، إذ ليس كل مكلف يتمكن من عرفان الآراء ومصادرها ومواردها، وعن بعضهم جواز التقليد في شرائط الإمامة فيه، وإن أمكن بعد ذلك العلم بالبحث وغيره.
قال القاضي عبد الله الدواري: والأصح أنه لا بد من العلم اليقين باجتماع الشرائط، وأن على كل مكلف تحصيل العلم بذلك بالخبرة أو البحث، وعليه الرحلة إلى الإمام حيث كان ليختبر حاله، وإن كان ممن يمكنه الاختبار أو الرحلة إلى عدد يخبرونه عن حالة خبراً متواتراً، وإن لم يمكن من الاختبار ولا أخبره عدد التواتر باجتماع الشرائط ففرض الإمامة ساقط عنه، هذا حاصل ما وقفنا عليه من كلام الأصحاب في هذا الباب.
وأقول وبالله التوفيق: إنَّ القول بأنَّهُ يلزم المكلف من قاريء، وأمي، وحاذق، وذي بله، ومن لا تمييز له، وأن يعلم علماً يقيناً أن الداعي قد جمع الشرائط المعتبرة في الإمام شرطاً شرطاً، وأنه يلزمه ما يتوقف هذا عليه من العلم بلزوم شرائطها، وأنه لا بد منها، وأنه يلزمه بالتوقف كلما ذكر عليه من وجوب الإمامة، وأنه لا بد منها، وعموم التكليف بما هو من الغلو ومجاوزة الحد، وارتكاب الشطط، واقتحام المسلك الوعر، والاعتساف الذي لا يخفى على أولي الإنصاف، ولعمري أن تكليف العوام بذلك من قبيل تكليف مالا يطاق، وأنه خارج عن وسعهم وقدرتهم، وأنه لا يبلغ إلى ذلك ولا إلى ما هو دونه طوقهم وقواهم، وأنه لا يبعد عن أن يكون كتكليف الأعمى بإعجام مصحف أو رقم كتاب، وأنه لو أخذ عالم من العلماء المختارين يلقن قاصياً أدلة هذه المسائل، ويلقيها في سمعه ويشرحها له أعواماً طويلاً أمدها عظيماً مددها ما بلغ إليها مزيد من ذلك، ولا أدركه، وكان كسوم بعض الأنعام من أن يتعلم فيصير من الأعلام.
ولو كان هذا واجباً متحتماً لكان العوام محكوم عليهم بالإخلال بواجب الإمامة، فإنهم ليس في طرف منها ولا وسط، وأنهم آثمنون معاقبون مفرطون، وإنهم في طاعتهم للأئمة واتباعهم ومشايعتهم والمجاهدة بين أيديهم والإئتمار بأوامرهم مخطئون، وللمنكر مرتكبون، ولكان فرض الإمام نفسه، وفرض العلماء والفضلاء أن ينكروا عليهم إجابتهم للإمام وطاعتهم له، وتسليم الحقوق إليه والمجاهدة بين يديه، فليس للإمام أن يقهرهم على المنكر، ولا لأحد من علماء الإسلام أن يكتم ما علمه الله من ذلك، فمَنْ كتم علماً علمه الله تعالى إياه ألجم بلجام من نار.