إذا ثبت أنَّهُ لا يجوز خلو الزمان عن صالح للإمامة، فهل يجوز أن يوجد في وقت واحد جماعة يصلحون للإمامة؟

قيل: هذا لا ينبغي أن يقع فيه منازعة ولا يفتقر إلى موافقة، وأي مانع من ذلك من جهة القدرة والحكمة؟ وقال عباد بن سليمان والإمامية: لا يجوز ذلك.

أمَّا الإمامية فبنوا على أصلهم أنَّ طريقها النص، وأنه لا نص إلا على واحد فواحد، وفي الحقيقة أنه لا خلاف بيننا وبينهم إلا في قاعدتهم التي بنوا عليها، ولا يخالفون في جواز وجود جماعة فاطميين مجتهدين عدول أهل تدبير وشجاعة وسخاء وفضل، ولا يعدون مخالفين هنا.

وأما عباد بن سليمان فالذي دعاه إلى هذا المذهب الضعيف أنه لو وجد جماعة صالحون لأدى ذلك إلى أن يختار واحد منهم لغير مرجح في اختياره، ولا يصح ترجيح، من غير مرجِّح، ولا معنى لما ذكره، وقد جعل عمر الشورى بين ستة فقضى بصلاحيتهم كلهم، ولم ينكر عليه، والمرجح للإمامة أحد الجماعة الصالحين، اختيار العاقدين له، وعمد معتبري الدعوة سبقه بها، واختيار العاقدين لواحد من جملة جماعة غير() صالحين غير مستبدع ولا مستنكر، فإن العادل المختار إذا عنت له أمور مستوية في تعلق الداعي وانتفاء الصارف اختار أحدها من غير مرجح، كمن يأكل رغيفان مستوية، وواحدة من رمانات لا تفاضل بينهما، وكسالك إحدى طريقين مستويين في الاتصال إلى جهة المقصودة في القرب والسهولة وانتقاء الشوائب.

فـــرع:

 إذا فرض وجود جماعة صالحين كما ذكر، ما يكون فرض الأمة في حقهم؟

ومن يتعين للقيام بأعباء الأمة() منهم، أما معتبروا الدعوة فالعبرة عندهم لمن دعا منهم؟ وترشح لذلك، فأما معتبروا العقد فمن أرسل الله تعالى العاقدين إليه ونصبوه، كان المعول عليه كما ذكر آنفاً، لكن قال الشيخان أبو علي وأبو هاشم: لا يعمدوا إلى واحد فيختاروه، بل يقرع بينهم حيث كانوا مستوين في الخصال المعتبرة، وقال بعض المعتزلة: بل يكون الهاشمي أولى من سائر بطون قريش حيث كان الصالحون لهذا الأمر هاشمياً وغيره.

وقال ضرار بن عمرو: بل العجمي أولى من العربي، والذليل من العزيز ليكون عزله إذا أحدث مالا يرضاه المسلمون أيسر وأسهل. ولا تعويل على ما ذكره، لأنه بنى على قاعدة منهارة وهو صلاحية الإمامة في الناس عموماً، ولأن الذي يحدثه الإمام إذا كان فسقاً انعزل بذلك وبطلت ولايته من دون عزل عازل، فتخلفهم عنه كاف، وليس يعتبر العزل عن التولية في الإمام كالحاكم.

هكذا في الغايات، وعندي أن الاحتجاج على ضرار بما ذكره لا يطابق مراده بما ذكره، لأن قصده إمكان عزله، وسهولة خلعه عن مرتبته، وتقطيع علائقه لا نفس بطلان إمامته، لكن قوله غني عن الإبطال، ولا ينبغي فيه توسيع المقال، ولو كان علته العليلة كما ذكره لاقتضت أن يجعل الإمام من أطراف الناس وأدنيائهم، لأن إبطال أمره وقت الحاجة إليه أيسر، هذا مالا ينبغي أن يقول به مميز، والله أعلم.

وأما كلام الشيخين فقد رده المهدي عليه السلام  بأنه لا وجه للقرعة هنا، إذ الحق للعاقدين، فالخيار إليهم في المنصب، وليس للمنصوب حق، فلا يقاس على الأحكام التي اعتبرت القرعة فيها في مسائل النكاح والعتاق والقسمة، فإن وجهها فيها المساواة بين أهل الحق، والحق هاهنا لأهل النصب عند معتبره.

73 / 331
ع
En
A+
A-