قُلْتُ: في هذا الاستدلال من الركة والضعف والخطل مالا يخفى على ذي ألمعية وحسن روية، وهل الشروط التي تتوقف عليها الواجبات -وهي من فعل الله تعالى- يجب على الله أن يفعلها ويحصلها؟! هذا مما لا قائل به، فإن الله سبحانه وتعالى أوجب الواجبات، وهي تتوقف على العقل والبلوغ، وما كان منها مختصاً بالذكور كالجهاد ونحوه، فيتوقف على الذكورة، ولا يقال: إنه يجب على الله تعالى فعل هذه الشروط ليتم التكليف، والمكلف فيما كان مشروطاً من جهة الله ومن فعله في فسحة إن خلقها الله تعالى له بعد ما كلفه وإلا سقط عنه التكليف، والله سبحانه لا يجب عليه أن يفعل ما يتم به التكليف ولا قائل بذلك.
ثم أنه أورد على نفسه سؤالاً فقال: إن قيل إذا كان الوجه ما ذكرتم فقولوا: لا يجوز خلو الزمان عن إمام، لأن القيام بما ذكرتم لا يتم إلا بوجود إمام لا بوجود من يصلح فقط.
قلنا: لا يجب ذلك بل يجب على الله تعالى أن يجعله على أوصاف الإمامة، التي لا يقدر عليها إلا هو ويوفر دواعيه إلى اكتساب الأوصاف التي لا بد منها في ثبوت الإمامة الصحيحة.
ثم من يجعل طريق الإمامة الدعوة والخروج فالواجب عليه الدعاء، وعلى القول بالعقد يجب العقد على العاقدين وعلى غيرهم الرضا.
ويتفرع على هذه الفائدة خلاف وقع بين الشيخين، قال أبو هاشم: لا يجوز أن يخلو الزمان عن قرشي جامع الشرائط، فهذا الشرط وهو شرط المنصب لا بد من حصوله كسابق الشروط، وبه قال قاضي القضاة.
وقال الشيخ أبو علي: لا؛ بل يجوز خلو الزمان عن حصول المنصب، وبه قال الغزالي وغيره، وحينئذ تجوز الإمامة في غير قرشي كما يجوز التيمم عند عدم الماء، وتوقف أبو عبد الله البصري، وقد احتج في (الغايات) لتصحيح قول أبي هاشم احتجاجاً بسيطاً، ولا شكَّ أنَّهُ الأرجح على قاعدتهم، لأنهم أوجبوا أن لا يخلو الزمان عن صالح للإمامة كامل الشرائط، فالمنصب أحد الشرائط، ويتوقف عليه الصلاح المذكور، ولو قيل بما قاله أبو علي للزم مثل ذلك في سائر الشروط، فيجوز الخلو عن شرط الاجتهادوعن شرط الشجاعة أو غيرهما.
ويجوز حينئذ إمامة المقلد، وإمامة من ليس بشجاع كالتيمم مع الوضوء، إلا أن أبا علي فرق فقال: المقصود بقيام الإمام لا يفوت بفوات() المنصب فتصح الإمامةمن دونه فجاز اختلاله بخلاف غيره من الشروط كالعقل والعدالة.
تنبيه:
ويأتي على مذهب أصحابنا وقاعدتهم أنه لا يجوز خلو الزمان عن فاطمي، وقد صرح به في بعض تعاليق الشرح.
الفائدة الثانية: