قال: لأنَّهُ لا عِبرة بِرِضى المتنحي إذا كان المتنحي() قد وجب عليه، لأن القصد رعاية مصلحة الأمة لا مصلحته وحده، والحق في ذلك لله تعالى لا له فلا عبرة برضاه.

 هذا حاصل ما ذكره في (الغيث)، وقد استوفى الكلام في هذا المعنى وأجاد فيه، وإن كان عند تدقيق النظر والمبالغة في النقادة بالروية الوقادة لا يخلو عن نظر، والله سبحانه أعلم.

 ثم لنعد إلى الكلام على أصل هذا الشرط.

 فنقول: الظاهر من مذهب الزيدية وجمهور المعتزلة، وكثير من الأمة أنه لا يصح قيام إمامين معاً في وقت واحد، ولا يصح قيام المتأخر منهما إن سبق أحدهما بالدعاء، هكذا حكى القاضي عبد الله، وفي (الغايات) نسبة هذا القول إلى المعتزلة جملة، وبعض الزيدية، قال القاضي: الخلاف في ذلك مع عباد بن سليمان، ومحمد بن سلاَّم الكوفي، وحكاه في (زوائد الإبانة) عن كثير من السادة والعلماء.

وروى عن المؤيد بالله عليه السلام  رواية مغمورة، وبه قال بعض الخوارج، وبه يقضي رأي سعد بن عبادة وأتباعه، حيث قالوا: منا أمير ومنكم أمير.

وقال الناصر عليه السلام  بصحته إذا تباعدت الديار، ونسب في (الغايات) تجويز إمامين إلى الكرَّامية()، ونسبه إلى القاسم بن علي العياني() عليه السلام ، فإنه قال: إذا كان في قرية واحدة إمامان يدعوان إلى الله تعالى لكل منهما رعية اختلفت رعيتهما، ولم يؤمن أن يوقعوا الوحشة بينهما، فالواجب على من أحله ذلك المحل أن يكون بمن معه من الرعية في معزل يملك في تصرفهم، ولا يكون حيث يبلغ صاحبه وأصحابه اختلافهم ومضارهم، ومالا يؤمن من كونه بين مثلهم، فإذا فعل ذلك ملك كلُ رعيَته ودانت له مودته، وصار كل بما يرضي الله تعالى.

قال المهدي عليه السلام : فصرح عليه السلام  بجواز إمامين في وقت واحد على الصورة المذكورة.

وقال الإمام يحيى في (الانتصار): أما مع تقارب الأوطان والأماكن، فالإجماع منعقد من جهة الصدر الأول من الصحابة والعترة والفقهاء على المنع من ذلك، وأما مع تباعد الأوطان في الأقاليم البعيدة والأمصار المتفاوتة في البعد ففيه مذهبان: المنع، وهو رأي العترة والمعتزلة والأشعرية والخوارج والفقهاء، ويحكى عن المؤيد آخراً، لأن المقصود إقامة قانون الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يحصل بواحد، وأمره في الأقاليم البعيدة بإنفاذ الولاة والقضاة والكتب والرسل كما كان في أزمنة الخلفاء، وتجويز الإمامين في وقت واحد هو رأي المؤيد بالله عليه السلام ، أولاً،  ومحكي عن الجاحظ وعباد الصيمري، وحكاه الشيخ أبو القاسم في كتاب (المقالات) عن قوم من التابعين، وهو محكي عن الناصر، وهذا هو المختار.

قال عليه السلام : وعليه يحمل ما كان من الإمامين الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين والناصر    عليهما السلام ، لما كانا في الأماكن المتباعدة والأقاليم المتباينة، فإن اتفق اجتماعهما وجب على المفضول تسليم الإمامةللأفضل منهما، وحُكِيَ عن الناصر عليه السلام : أنه إن لم يفعل فسق، لأن غرضه الدنيا وإحراز الملك على الإنفراد، وهو خلاف الدين.

 احتج المانعون بإجماع الصحابة، وبرد ما قالته الأنصار، حيث قال عمر بن الخطاب: سيفان في غمدٍ()، إذا لا يصلحان وكان ذلك بمحضر جمع كثير من الصحابة، وبلغ الباقين ولم ينكره أحد، فكان إجماعاً لأن المسألة قطعية، فقول البعض فيها بقول وسكوت الآخرين مع علمهم به يكون إجماعاً وصواباً، إذ لو لم يكن كذلك كانت الأمة قد أجمعت على الخطأ، هكذا قرره القاضي عبد الله بن حسن الدواري.

69 / 331
ع
En
A+
A-