قلت: دعوى الإجماع فيه مجازفة، والخلاف مشهور مأثور، منذ زمن الصدر الأول، يدل عليه قول عمر: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً ما خالجتني فيه الشكوك، وعلي عليه السلام  ووجوه العشرة وغيرهم من فضلاء الصحابة موجودون.

ويتصل بهذا الكلام ذكر فـوائـد:

الفائدة الأولى:

تترتب على ما فسرنا به الأفضل، يقال: لو وجد اثنان أو ثلاثة أو أكثر مختلفين في الأفضلية، فأفضلية هذا بزيادة في التدبير، وهذا بفصاحة وبلاغة وغير ذلك، فكل منهم أفضل باعتبار معنى من تلك المعاني برز فيه وبذَّ الأقران في تعاطيه، ما المعمول عليه حينئذ؟ والأقرب -والله أعلم- أنه يرجع إلى ترجيح أهل الحل والعقد في هذه الأمور المتعارضة، ويتوخون ما هو الأرجح والأصلح في الأمور المقصودة بالإمامة، وما أداهم نظرهم إليه عملوا عليه.

وقد ذكر القاضي عبد الله بن حسن الدواري في موضعين من تعليقه على الشرح: أنه إذا اتفق رجلان في شرائط الإمامةولم يكن أحدهما أكمل من الآخر في شيء منها ولا سبق بدعوة ولا عقد، فأولاهما بالإمامةأكثرهما فهماً، ثم أحلمهما، ثم أحسنهما خلقاً، ثم أفصحهما لساناً وأحسنهما عبارة، قال ذكر ذلك صاحب (الكافي)، ويعرف أنه أولى إذا كان فيه خلة حميدة، سيما إذا كان الناس معها أقرب إلى اتباعه، وإن كانت الخلة من غير صفات الإمام وشرائط الإمامة، كأن يكون إحداهما أتم في خلقه وهيبته، وأحسن ثباتاً، وأسمى همة، وأوسط نسباً، وأكثر آباءً في العلم والفضل، وأكثر رحامة وبني عمومة لنصرته، ونحو ذلك من الخلال التي معها اتساق الأمور له أبلغ من غيره، فمن كانت فيه فهو أولى بالإمامة، لكنه لو دعا غيره قبله، أو عقد له، كان هو الإمام، ولم يقدح في صحة إمامته كون غيره أتـم.

وقال في موضع: إذا كان أحد الصالحين للإمامة أكثر نسكاً، والآخر أكثر سياسة وأحسن تدبيراً، فإن الأدبر في السياسة والتدبير أولى بالإمامة، إذ حاجة الأمة إلى حسن السياسة وزيادتها أمس من حاجتها إلى زيادة النسك.

قال: وعلى الجملة فالغرض بالإمامة صلاح المسلمين، وحسن الرعاية لهم، ومن كان ظُنَّ هذا فيه أغلب على العاقدين أن يعقدوا له، وعند القائلين بالدعوة لا يجوز لمن يعلم أن غيره أتم منه سياسة وصلاحاً للمسلمين أن يقوم بأمر الأمة فالعقد له باطل والدعوة تحتمل ذلك.

الفائدة الثانية:

إذا دعى داع كامل الشروط، وقام بأعباء الإمامة، ثم ظهر بعد ذلك أن غيره أفضل منه، وأكمل في خصالها، وأدخل في شرائطها، ما يكون الحكم في ذلك؟

اختلف فيه فقيل: إنه يجب على الداعي تسليم الأمر للأفضل، وقال السيد أبو طالب(): لا يجب ذلك، بل يستمر على حاله، وقد صار أفضل لتحمل أعباء الإمامة.

67 / 331
ع
En
A+
A-