هذا هو معنى الفضل والأفضل، فهذا المعنى من هو أدخل فيما ذكر وأكثر أخذاً منه وتخلقاً به.
فإذا عرفت ذلك فلا ينبغي أن يُعَدَّ الفضل شرطاً مستقلاً، إذ المشترط والمعتبر من الشروط تحصيل معنى الاجتهادوالورع والشجاعة والسخاء ونحو ذلك، ولا يشترط زيادة على القدر المعتبر، وإنما ينبغي على هذا أن يكون محط الفائدة، ومحل النزاع أنَّهُ هل يُشْترط أن يكون أفضل أولا؟
معنى أنَّهُ، إذا كان الصالح للإمامة أكثر من واحد، لكن البعض أحرز نصاب الشروط المعتبرة من غير زيادة ولا نقص، وغيره زاد عليه فيها كلها أو في بعضها؛ أن للكل منهم له زيادة على القدر المعتبر، ولكن حالهم في الزيادة مختلف، فمنهم من هو أدخل فيها وهي فيه أكثر، ومنهم من هو دونه في ذلك، فهل يصح أن ينصب المفضول بهذا المعنى مع وجود الأفضل؟ أو لا يليق أن يكون هذا محل الخلاف؟ فالذي عليه الزيدية وبعض المعتزلة كعباد() أنَّ إمامة المفضول لا تصح، ذكره القاضي عبد الله بن حسن الدواري قال: وممن نص على ذلك الهادي إلى الحق والناصر عليهما السلام ، ويفسق المفضول إذا سبق الأفضل بالدعاء إلى الإمامة.
وقال بعضهم: إمامة المفضول تصح بكل حال، وهو مذهب البغدادية، وبه قالت الزيدية الصالحية، ويروى عن غير من ذكرناه كسليمان بن جرير، وذهب أبو علي وأبو هاشم إلى جواز إمامة المفضول لعذر لا لغير عذر، كما في شأن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه في واسع جناته- فإن العدول إلى غيره لعذر وهو الوحشة التي كانت في القلوب من أجله، لما كان منه عليه السلام ورحمة الله وبركاته من قتل كثير من الصناديد الداخل أقاربهم في الإسلام، ولحسده عليه السلام على ما يختص به من صفات الكمال.
هذا معنى ما حكاه وذكره القاضي عبد الله بن حسن الدواري، وقال الإمام المهدي أحمد بن يحيى رضوان الله عليه: القول باشتراط الأفضل أو المساوي له إلا لعذر، كأن يكون أعمى هو قول المعتزلة والأشعرية وأكثر الزيدية، ونسب الخلاف فيه إلى الحشوية، فإنهم يجيزون إمامة المفضول وغير عذر .. هـ.
واحتجّ مَنْ لا يجيز إمامة المفضول بتحري الصحابة رضي الله عنهم للأفضل وفزعهم إلى عد الفضائل، وقول عمر بن الخطاب لأبي بكر حيث قال: بايعوا أحد الرجلين -يعني عمر وأبا عبيدة-: أتقول هذا وأنت حاضر، وأن الإمام قدوة في الدين لجميع المسلمين فمن حق القدوة أن يكون أكمل ممن يقتدي به فيما هو قدوة فيه، إذ لا يحسن أن يقتدي الأكمل بمن هو دونه، وجوب الاقتداء أنها تلزمهم طاعته، ويلتزمون اجتهاده إذا وقع منه إلزام.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وكافيك أنَّ الإمام قائمٌ مَقَام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في موارده ومصادره، ومن حق من يخلف رجلاً في أعماله أن يكون أقرب الناس شبهاً به في تأدية تلك الأعمال، وإلاَّ عاد الغرض في استخلافه مكانه ليقوم مقامه بالنقض والإبطال، وكلما كمل فضل رجل قرب شبهه بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ويبعد عن الشبه بنقصان الفضل، وقد بالغت الإمامية وكذلك الجارودية من الزيدية فزعموا أن إمامة المفضول لا تصح ولو لعذر مانع عن قيام الأفضل، وهو غير صحيح، فإن المفضول إذا كان أصلح وأرجح في قيامه بالمصالح المقصودة من الإمامة فهو أولى رعاية للأصلح، يوضح ذلك أن الأفضل لو كان أعمى لم يصلح أن يقام لهذا الأمر، وكذا لو اختل فيه شرط كالشجاعة والتدبير، وعلى قاعدتهم يستد حينئذ باب الإمامة إذ الأفضل غير صالح، ووجوده مانع عن قيام المفصول الصالح.
قُلْتُ: وهذا الاحتجاج وممن ذكره الإمام المهدي لدين الله عليه السلام لا يتهيأ على ما رجحناه من تفسير الأفضل بأنه جامع الشروط مع زيادة على القدر المعتبر منها، وإنما تهيأ على غيره من التفاسير، والله سبحانه أعلم.
واحتج مُجَوِّزُوا إمامة المفضول بجعل عمر الأمر شورى بين ستة متفاوتين في الفضل، وقال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم، ويمكن أن يجاب بأن عمر بن الخطاب ربما اعتقد تساويهم، وبأن كلام أبي بكر على جهة التواضع وهضم النفس، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تفضلوني على يونس بن متى)).
وقد ادَّعى بعض أصحابنا الإجماع على اعتبار الأفضل، وقال صاحب (أنوار اليقين): لا خلاف في ذلك، واختلاف الصحابة في الأئمة الأربعة إنما كان لاختلافهم في الأفضل.