أمَّا النوع الأول: فلإخلاله بما يقصد من الإمام وينصب لأجله وهو ظاهر.
وأمَّا النوع الثاني: فلما فيه من التنفير المخل بما يراد، فإنه لا قوام لأمر الإمام وما يقصد من القيام إلا أن يكون الإمام ممن يرغب إلى مثله ولا ينفر عنه، ولا يستكره القرب منه، ولا الإتصال به، وقد ثبت اشتراط مثل ذلك في حق النبي مع تأييده بالمعجزات ونزول الوحي عليه، ففي حق الإمام أولى.
ومنها: الفضل، فكثير من العلماء يعده من الشروط، ويسرده في سياق الاتيان بها، ومن هؤلاء من لا يفسره، وترك تفسيره خلل، إذا المقصود به غير مكشوف ولا واضح وضوح غيره من الشروط، ومنهم من يفسره تفسيراً يقضي بأنه لا حاجة إلى ذكره، ولا موجب لعده لرجوع معناه إلى معنى بعض الشروط المذكورة المشهورة، وقد أخل الإمام المهدي أحمد بن يحيى عليه السلام في مقدمة البحر وشرحها بعد تفسيره حيث قال: ويجب كونه أفضل الأمة أو كالأفضل منهم، وحكى الخلاف وأقام الدليل، ولم يأتِ من تفسيره بكثير ولا قليل.
وأمَّا القاضي عبدالله بن حسن الدواري ففسره وما قصر فقال: اختلف في معنى الفضل في الإمام، فقال قوم:المرجع به إلى اختصاص الشخص بالأمور التي لأجلها يحتاج إلى الإمام، منهم الإمام المنصور بالله والفقيه حميد، وقال: فعلى هذا ينبغي أن لا يعد الفضل شرطاً زائداً، والأفضل على هذا هو الأكمل في ثبوت الشرائط له.
ومنهم من قال: الفضل، والعفة، والصلاح في الدين، والأفضل الأكمل في ذلك، قال: وهذا المعنى يرجع إلى الورع فلا يعد شرطاً زائداً عليه، قال: والأصح أن يقال: إن المراد بالفضل أن يكون له من المحافظة على الطاعات والتجنب للمكروهات ما يعتاده كثير من الصالحين، ويكون بينه وبين القبح حاجز، وبينه وبين الإخلال بالواجبات ليحترز في ذلك عن الإقدام والترك، قال: وهذه سنة لكثير من الصالحين، وفي الحديث النبوي: ((لكل مَلِكٍ حِمًى وإنَّ حِمى الله تعالى محارمه، وإنَّهُ مَنْ دار حَوْلَ الحمى يُوشك أن يقع فيه)) ().
قال: ويعبر عن الفضل باستحقاق الثواب، والأفضل الأبلغ في ذلك وليس بمراد هنا، إذ لا طريق إليه إلا الوحي، والله أعلم.
قُلْتُ: والذي يلوح لي ويقى عند التأمل أن المقصود بالفضل الزيادة في خصال الخير، وإحراز الفضائل، وأن الأفضل من كان أدخل في تحصيل الشروطس، وهي فيه أوفر وأظهر، ففي العلم بأن يكون أعلم من غيره، محرزاً من العلم فوق ما يشترط في الإجتهاد، وفي الورع أن يكون شديداً في المبالغة فيه، بحيث يكون يترك بينه وبين المحرمات أشياء ليست بمحرمة بعداً منها وأخذاً في التحرز عنها.
وفي الشجاعة أنْ يكون له من الإقدام وحسن التلاقي() في الحروب ما يزيد على ذلك القدر المعتبر.
وفي السخاء كذلك، وفي التدبير كذلك، بحيث يكون له من الألمعية والفراسة وحسن السياسة فوق ما سبق اشتراطه واعتباره، أهـ.
وفي سلامة الحواس والأطراف وصحتها وحدتها وقوتها وبسطة الجسم ما يزيد على مالا بد منه، وكالتدبير في البلاغة والبيان، والنظم والنثر، والخطابة والكتابة، وحلاوة اللسان، ومكارم الأخلاق كالبشر وترك الكبر، وشدة التواضع، وإنصاف الأتقياء، وشدة الشكيمة على الأشقياء، ونحو ذلك.