وأما الاجتهاد وبلوغه في العلم إلى درجته: فقد اختلف فيه، والمشهور عن أكثر الأمة أنه لا بد من أن يكون عالماً مجتهداً، والمعتبر ما يحرز به نصاب الاجتهاد، ولو احتاج في بعض الأحوال إلى أن يراجع غيره في بعض المسائل ويستمد منه، إذ لا يقدح ذلك في اجتهاد المجتهد، والخلاف فيه من وجوه:
أحدها: ما ذهب إليه الإمامية من اعتبار أن يبلغ في العلم والاجتهاد إلى حد لا يحتاج معه إلى غيره من العلماء في شيء من المسائل، بل شرطوا أن لا يأخذوا شيئاً من العلوم إلا عنه، وربما اشترطوا أن يكون أعلم الناس.
وثانيها: ما ذهب إليه الغزالي وصرح به الإمام يحيى بن حمزة في (الانتصار) وحكاه في (الغايات) عن المؤيد بالله عليه السلام أنه إذا أعوز المجتهد فلم يوجد صحت إمامة المقلد لئلا تعطل الأحكام المتعلقة بالإمام.
وثالثها: ما ذكره في بعض تعاليق الشروح من أنه روي عن المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام ، فإنه روى رواية غير مشهورة، وأن الفقيه حميد بن أحمد رواه عن بعضهم رواية مبهمة، وهو أنه إذا كان للإمام تمييز وترجيح للأقاويل وعرفان لوجه القول، وإن لم يبلغ في العلم درجة الاجتهاد كالحال التي عليها أكثر أهل البصائر فهو المقصود والمعتبر، فأمَّا المقلد الصرف الذي لا عرفان له بوجه القول ولا هداية إلى ترجيح قول على قول، ويقرب أن إمامته لا تصح، حكاه القاضي عبد الله الدوَّاري قال: وهو القوي، لأن كثيراً من الأئمة الماضين من الصحابة وأهل البيت دعوا إلى الإمامة مع قصور علمهم ولم ينقم عليهم ذلك.
قال: وإنما الذي يشترط بلوغه فيه درجة الاجتهاد والاستقلال بحيث يرجع إليه هو التدبير.
قلتُ: وقد وقفت للقاضي المذكور في كتاب (الشريدة) وكتاب (تعليق الأصول) في النسختين المستنسختين من المسودتين على التصريح باشتراط الاجتهاد، فلما استرجح هو ومن حضره نصب المنصور بعد موت والده الإمام الناصر لدين الله عليه السلام ، وكان القاضي في هذا الرأي هو العلم المشهور المرجوع إليه فيه خدش بيده ما ذكره في كتابيه المذكورين من التصريح باشتراط الاجتهاد، ورقم في الهامش بخطه إجازة إمامة المقلد فلم يحترز عن النقادة في ذلك، فنعوذ بالله من اتباع الهوى ومحبة الدنيا.
وهذا القاضي على كماله ومحاسن خلاله وسعة علمه ووفور حلمه، كانت منه هذه الهفوة التي خالف فيها قواعد أهل مذهبه من أئمة العترة وعلماء شيعتهم، فقد كانت عادتهم ألا يقدموا على نصب الإمام إلا عن مشورة واتحاد رأي، وإن جرت معارضة ممن يتعاطى العلم من أهل المعرفة كما كان في مدة الإمام يحيى بن حمزة والإمام علي بن محمد من المعارضات وقبلهما، فلما جرت هذه القضية فتحت باب التنازع والتساهل، ونشأت بها مفاسد، وانهدمت قواعد، ولو كان هذا مذهباً للقاضي المذكور من ابتداء أمره وقوله واحتوت عليه مصنفاته السابقة لهذه القضية الخارقة لكان الأمر أهون، وإن كان يقتضي ما ذكره الأصحاب أن ذلك خرق للإجماع، على أن المنصور المذكور لم يكن يوم نصبه على ما ذكره من إحراز نصاب الترجيح، وقد أشار إلى ذلك الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى عليه السلام في (الغايات) فإنه حكى قول المؤيد بالله والإمام يحيى بن حمزة والغزالي، قال ما لفظه: ولقد تطرق أهل محبة الدنيا بهذه المقالة إلى أن سهلوا طريق الإمامة حتى ولوها من لم يعرف فروض صلاته وصيامه، ولا عرف من أصول دينه أصلاً، ولا يدرك من سياسة الأمور فصلاً، بل اتخذوه أميراً وهو في التحقيق مأمور.
قلتُ: ليس في مذهب الإمامين المؤيدين والغزالي ما يسوغ لهم مثل هذا، وأما ما ذكره في سياسة الأمور وأنه غير أمير بل هو مأمور فلعله() عرف ذلك من حاله يوم نصبه، والذي يظهر لنا -والله يحب الإنصاف- أن فراستهم فيه صدقت في هذا المعنى، وأنه بلغ في أحكام السياسة وأحكام الرئاسة والاستقلال في الأمور وحسن المباشرة مبلغاً عظيماً، لا يطمح وراءه، وقد كان له من العنايات الجليلة والمقامات الجميلة في حرب سلاطين اليمن ونكاية الإسماعيلية، واخلائهم عن المعاقل العظيمة وغيرهم من الظلمة ما لم يكن لأحد غيره، وكان له من محاسن الصفات ومحامد السمات ما لا خفاء به، فليت أنه نجى من قضية معبر، وما كان في يومها الأغْبَر، ولنعد إلى أصل الكلام، ونقتصر على هذا القدر فيما عنَّ من طغيان الأقلام.
فنقول: أمَّا مذهب الإمامية فهو من جملة مذاهبهم التي غلوا فيها، وبالغوا مبالغة لا تروج ألفاظها ولا معانيها، وأي دليل على اشتراط أن يكون أعلم الناس؟ وأي طريق يستطرق إلى العلم بذلك من غير التباس؟ وأي حاجة للإمام أو فيه يقتضي ما ذكروه ويستدعيه؟
وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو أعلى درجة من الإمام وأملى بما ذكروه يرجع إلى غيره في بعض الأنظار، والصلح أراد يعقده في أمر المدينة على بعض ثمارها()، وكموضع النزول في حرب بدر()، وكان أبو بكر وعمر أيضاً يرجعان إلى غيرهما من الصحابة ولم يعد ذلك قدحاً فيهما.