قال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام : وأما الورع فهو ملاك الصفات، وعليه التعويل في أكثر تصرفات الإمام، فإنه مهما كان ورعاً عن الوقوف في المحرمات كانت أموره وتصرفاته جارية على قانون الشريعة المطهرة من غير مخالفة، فيأخذ الأموال من حلها، ومن حيث أمر الشرع بأخذها منه، ويضعها في مواضعها.

قُلْتُ: والأصحاب يحتجون بقوله تعالى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124]، في جواب إبراهيم عليه السلام ، ووجه الاحتجاج بها مذكور في (الكشاف) وغيره من كتب الكلام وفيه كفاية.

وأمَّا السخاء: فالْمُعتبر منه أن يضع الأموال في وجوهها، ولا يبخل بها عن ذلك، ولا يستأخر بها بخلاً وضنة.

قال الإمام يحيى بن حمزة: ولا يقدح في ذلك أن يدخر شيئاً من الأموال لنائبة من النوائب، وحادثة من الحوادث، تنجم عليه من الظلمة والبغاة فينفقها فيها.

قال: ولا يُشْترط تجاوز الحد في الكرم، قيل [المهدي]: ولا أن يسخى ببذل ماله الخالص، ووجه اشتراط هذا الشرط أنه لو لم يكن سخياً بالغنى المذكور كان مخلاً بالواجب، وهذا ينافي الورع، ولهذا قيل بأن هذا الشرط يدخل في اشتراط الورع، ولأن من المقصود من نصب الإمام أخذ الحقوق من أهلها ووضعها في مواضعها، فمخالفة ذلك خلاف المقصود.

وأمَّا الشجاعة: فمعناها أن يكون مجتمع القلب عند الحرب وملاوثة العدو، وبحيث لا يكون فرقاً جباناً، طائش الفؤاد، منزعج الصدر على حال لأجله يمتنع منه الثبات في القتال، ويقتضي عدم اتساع الصدر لعظم القلق والإشفاق.

هكذا فسر الإمام يحيى عليه السلام  هذا الشرط وهو تفسير حسن، وهو بمعنى ما ذكره غيره، ونص عليه الناصر للحق عليه السلام  وكثير من المتكلمين، وأما ما روي عن الهادي إلى الحق عليه السلام : إن معنى الشجاعة أن يحمل على الألوف، ويخلط الصفوف بالصفوف، لا يهاب الجمع والإقدام عليه قلوا أو كثروا، فلعله عليه السلام  أراد التعريف بأبلغ أنواع الشجاعة وغاية الأمر فيها، ويبعد أن يجعل مثل هذا شرط، ولو حكم باشتراطه لقدح ذلك في إمامة كثير من الأئمة المعتبرين، وقل ما يكون الإنسان على هذه الحالة، ووجه اشتراط الشجاعة أنّ لو لم يكن الإمام كذلك لم يؤمن أن ينهزم حال ملاقات العدو لجبنه ودهشه، وفي ذلك وهن في الدين، وتقوية لأمر المعاندين، وقد قال تعالى: {ومَنْ يُوَلِهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} الآية [الأنفال:16]، فكيف يكون حال الإمام إذ آل إلى هذا المآل، ولأن الجبن يصد عن أمر الحرب وتدبيره على وجه يقع به نكاية العدو، وعن إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام على كبراء الناس وعظمائهم، وهذا يخالف الغرض بالإمامة.

وأمَّا التدبير وحسن السياسة قيل [المهدي]: وحقيقة التدبير معرفة الطرق التي يتوصل بها إلى الأنواص على وجه لا ينكره من عرف وجه سلوكها توصل، لو بها أقرب ما يتوصل به ذلك الطالب إلى ذلك المطلوب بحسب حاله وسواء وصل إليه أو لا؟

قُلْتُ: والقصد أن يكون له رأي قويم، وتدبير سديد، فإن تعدي الرأي الصائب يجلب أنواع المصائب، ولا بُدّ أن يكون معروفاً بحسن السياسة التي معها يتمكن معها من تمهيد الرئاسة وتدبير أمر الحرب والسلم، وإقامة قانون الحرب مهما كان أرجح وأصح، ويكون مع صواب السلم إليها أجنج، كما فعل صلى الله عليه وآله وسلم  في إقامة الحرب وشن الغارات على من خالفه، وكما سالم يوم الحديبية في إقامة الحرب عشر سنين، لما رأى في الصلح للمسلمين حيث كان الضعف حاصلاً فيهم، فانكشف في ذلك الصلح الخير والبركة، فهكذا يكون حال الإمام والمشترط أن يكون أكثر رأيه الإصابة في الحرب والسلم والسياسة.

قيل [القاضي عبد الدواري]: ويدل على أن الإجماع ينعقد من الأئمة على اشتراط ذلك، ولأن كونه على غير هذه الصفة ينقض الغرض بإمامته، ولا يتمكن حينئذ من ضبط الجنود وتقويم أود العساكر، ولا يهتدي إلى ما فيه صلاحهم وتنتظم به أمورهم، وتكون به نكاية العدو أو جلبه إلى الطاعة.

61 / 331
ع
En
A+
A-