وفيه دلالة على أنَّه لا بُدَّ من اعتبار العدالة، وحسن السيرة، فإن على الخليفة أن يقفو أثر المستخلف، وهو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومن كان بعده من الأئمة السائرين بسيرته المقتفين لأثره.
قُلْتُ: وقد حكى القاضي عبد الله الدواري عن بعضهم القول بصحة إمامة كافر التأويل وفاسقه، قال: وقال بصحة إمامة الفاسق أهل خراسان، ومن كان من البغدادية، قال: ويقرب أن الخلاف في فاسق التأويل يجري على صفة الخلاف في قبول شهادته.
قُلْتُ: وخلاف الحشوية في صحة إمامة الفاسق المتغلب على الأمر ظاهر، ولهذا قالوا: بإمامة يزيد() الخمور متبع الفجور، الفاسق، المارق شديد الجرأة على الله تعالى، الذي هتك ستور الإسلام بوقعة كربلاء، ووقعة الحرة وغير ذلك.
وقيل: إنَّهُمْ لا يخالفون في اعتبار العدالة عند عقد الإمامة، وإنما خلافهم في الفِسق الحادث بعد انعقادها.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وقد قال بمقالتهم بعض الفقهاء كالنووي، فإنه نص على ذلك في المنهاج، وصرح به في الروضة.
قُلْتُ: وذلك ظاهر عنهم ولا يبعد أن يكون مذهباً لأهل مذهبه كافة، وقد يؤول بهم هذا المذهب الشنيع في ظاهره على أن القصد ثبوت أحكام الإمام له بثبوت وجوب طاعته في غير معصية الله تعالى، ونفوذ أحكامه المطابقة لشرع الله، ونحو ذلك، لئلا يقع التنازع وانشقاق العصا وما يتفق من المفاسد لسبب ذلك، لا أنهم يقولون بأنه إمام في نفس الأمر ثابتة فيه أحكام الإمامة حقيقة.
قُلْتُ: ويُؤْخَذ من مذهبهم أن الذي عليه أئمة الهدى من الخروج على الظلمة ومنابذتهم خطأ ولا يعتقدون إمامتهم، بل ليت أنهم سلموا ولم يتعاطوا ملامتهم، وما هو إلا مذهب شنيع ورأي فضيع، وتأوله بعيد، وتيسيره غير مفيد، فالله المستعان على زلات العلماء الأعلام الأعيان، ومن المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم لما خاضوا في أمر الإمامة وتنازعوا إلى عد الفضائل، وصدر منهم ما يقضي باعتبار الأفضل، وقال عمر لأبي بكر لما قال بايعوا أحد الرجلين يعني عمر وأبا عبيدة: أتقول هذا وأنت حاضر.
ولأنَّ المقصود من الإمامة إقامة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وحراسة الإسلام وصيانة الدين، فكيف يتهيأ مع جهل الإمام وفسقه؟! إنما كلامهم هذا رد للإمامة إلى حكم السلطنة والله أعلم.
واعلم: أنَّهُ لا بُدَّ من اعتبار ما يعتبر في العدالة من غير ما ذكر، وذلك تنزيه نفسه عن بعض المباحات كإفراط الضحك، وكثرة المداعبة والمزاح، والبول في السكك والشوارع، واللعب بالحَمَام، لأنه لا ينبغي أن يشتغل [إلا] بأمور الدين، والنظر في أحوال الناس، وقضا حوائج المسلمين، ويجب أن يتنزه عن الصغائر المستخفة كما ورد في التطفيف بحبة، وسرقة بصلة، وإذا كان مثل هذا يعبر في حق الشاهد، فاعتباره في حق الإمام أولى وأحرى.
قال الإمام يحيى: لأنه إذا كان بإحراز منصب الإمام أفصل الخلق، فينبغي أن يكون أقوم الخلق في حق الله تعالى، وأطوعهم له، وأعظمهم منزلة عنده، ولا يتعاطى مثل تلك المباحات والصغائر المستخفة مما تقل المهابة، وتسقط المرتبة، وتطرد التهمة في الدين، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم.