والثاني: إجماع الأمة على أنها جائزة، ولا إجماع في حق غيرهم، وهو حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل، ولا دليل على ثبوت أهلية الإمامة لكل الناس، ولا لجملة قريش، إذ لا قرآن في ذلك، ولا سنة متواترة، ولا صريحة المعنى بما تقرر، ولا إجماع.

وأما الفاطميون: فالإجماع منعقد في حقهم، فإن القائلين بأنها في جملة الناس أو في جملة قريش قائلون بذلك في حقهم، وهذا الاستدلال كما ترى().

أما أولاً: فلأن تحقق الإجماع في حق الأمة، وفي حق العرة مشكل، كما سبقت الإشارة إليه فلا إجماع.

وأما ثانياً: فلأن خلاف الإمامية كافة تستمر في ذلك، ومنهم طائفة من العترة فلا إجماع.

ثالثاً: فلأنَّ....... () ذكر عن الأمة لا يعد إجماعاً على هذا المذهب الشريف، لأن حاصله جوازها فيهم وعدم جوازها في غيرهم.

فلو صحّ الإجماع لم يكن إلاَّ على الطرف الأول فقط، وقد لخصنا هذا المعنى في كتابنا (المعراج) وأشرنا فيه إلى تقويم الإعوجاج، ولم نقف لأصحابنا في هذا المعنى على ما يشفي الآوام، ويذهب الأوهام، ويقطع اللجاج، ولقد عجبنا من كلام الإمام يحيى عليه السلام  في هذه المسألة واحتجاجه بأنه لا خلاف بين أئمة العترة والمعتزلة والأشعرية على صلاحيتهم للإمامة.

قال: ولا يقال: أليس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  قال: ((الأئمة من قريش)) ()، وفي ظاهر هذا الحديث دلالة على كون الإمامةجائزة في جميع بطون قريش؟ فلا يجوز العدول عنه، لأنَّا نقول: هذا فاسد، فإن في ظاهر الحديث ما يدفع هذه المقالة، فإنه قال: الأئمة، و(من) هنا للتبعيض، ولا شك أنَّ الفاطمية بعض قريش، فلهذا قصرناها في حقهم.

 هذا جميع ما أورد عليه السلام  في كتابه (الإنتصار) () على سعة بسطه فيه، وما أجل هذا الإمام عن تفصيل ما يرد على كلامه هذا من التضعيف والتزييف، من تأمل ذلك من أهل التمييز لم يعرب عنه، والله تعالى أعلم.

واحتج الإمام المهدي عليه السلام  في (الغايات) بطريقة عقلية تحريرها: إن الإمامةرئاسة عامة يكمل المقصود بها، لكمال انقياد الناس لصاحبها وينقص بنقصانه، ولا شك أن انقياد الناس للرئيس الذي من أشرف مناصبهم أقرب في العادة من انقيادهم لغير الأشرف، ولا نزاع في أن أولاد البطنين أشرف مناصب العرب، وذلك يوجب على المكلفين اعتبار المنصب في الإمام وتكلم على أصول هذه (المسألة) () الدلالة ومقدماتها، وبسط() في ذلك وادعاً في بعضها أنَّهُ معلوم ضرورة، واحتج على البعض قال: وهذه الطريقة حجة عقلية قطعية، ولم يسبقنا إليها غيرنا.

وأقول -والله يحب الإنصاف: العجب مما ادعاه، ولعمري أن هذه الدلالة جديرة بأن لا تفيد الظن فضلاً عن أن تفيد القطع، ثم كيف يحتج بدليل عقلي على فرع من فروع مسألة شرعية غير عقلية لم يثبت أصلها إلا بالأدلة السمعية؟! وإذا كان الأصل غير عقلي فكيف يكون الفرع عقلياً؟ وإنما هذا من قبيل التعسف وعنه مندوحة.

58 / 331
ع
En
A+
A-