والذي استدل به على اعتبار المنصب على سبيل الجملة إجماع الصحابة على اعتباره بعد منازعة الأنصار لقريش، وطلبهم أن يكون فيهم لما هم عليه من السالفة الحسنة، فلما احتج أبو بكر عليهم بالقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  قبلوا ذلك واستسلموا له وبايعوه وانقطع الخلاف، واستدل بثلاثة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

الحديث الأول: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((قدموا قريشاً ولا تقدموهم، الأئمة من قريش)) ()، فلو ثبت إمام من غيرهم لم يصح العموم.

الحديث الثاني: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الولاة من قريش، ما أطاعوا الله واستقاموا لأمره)) ().

الحديث الثالث: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((قدموا قريشاً ولا تؤخروهم)) ().

 فلو أقيم إمام من غيرهم لكان فيه ارتكاب ما نهى عنه من تأخيرهم والإخلال بما أمر به من تقديمهم، واحتج غير المعتزلة له بأنه يعلم ضرورة إمكان قيام إمام غير قرشي، وجمعه للشرائط، وإمكان قيامه بما ينصب الإمام لأجله ولا دليل على اعتباره.

وأمَّا الإجماع: فغير مُسلّم، فإنَّ الأنصار لم تنقطع منازعتهم في ذلك، ولا أذعنوا فيه، ولا اعترفوا بالخطأ، وبايع بعضهم سعد بن عبادة   ولم يقتضِ بطلان أمْره بعد أن بايعه كثير من الأنصار إلا حسد ابن عمه بشير له ومسارعته إلى بيعة أبي بكر، فكان أول من بايعه فاتبعته الأنصار وازدحموا على بيعة أبي بكر، ورفض المبايغون منهم سعداً بيعته، وكان سعد حينئذ مريضاً، فقيل: لا تطؤا سعداً ولا تقتلوا سعداً، فقال عمر: اقتلوا سعداً قتله الله، فقام قيس بن سعد بن عبادة، فلزم بلحية عمر وقال: لو نذرت منه شعرة أخذت ما فيه عيناك، وقال سعد لعمر: والله لولا المرض لتسمعن لسعد زئيراً كزئير الأسد، يخرجك منها إلى أصحابك إلى حيث كنتم أذلة صاغرين، وما بايع سعد أبا بكر ولا عمر، وخرج إلى الشام مغاضباً لقومه حين خذلوه فمات فيه في خلافة عمر، وللأنصار أشعار تدل على عدم الرضا والتأسف لخذلان سعد، وتقضي بعدم انقطاع نزاعهم.

 قالوا:وأما الأحاديث الثلاثة فهي أحاديث غير متواترة ومعارضة بما يقضي بخلافها، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أطيعوا السلطان ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع)) ()، وقول عمر في سالم وقد تقدم ذكره.

 قال المهدي عليه السلام : وهذه الاعتراضات  فادحة بغير تردد سيما إذا لم يكن الخبر الأول متواتراً قال: وإن حكمنا بتواتره فليس دلالته قطعية إذ لا تصريخ فيه بتحريمها في غيرهم ويحتمل الأولوية().

قُلْتُ: وأما الخبران الآخران فدلالتهما أضعف، وهما دون الأول في الاشتهار.

قيل [القاضي عبد الدواري]: وقد ذكر بعض أئمة الحديث أن الخبر الأول موضوع لا أصل له، وروى بعض من كان في السقيفة: إن هذا الخبر لم يذكره أبو بكر ولا احتج به، ولو كان صحيحاً ما قال عمر في سالم ما قال، واحتج أصحابنا بالإجماعين: أحدهما: إجماع العترة على ذلك، وإجماعهم حجة.

57 / 331
ع
En
A+
A-