وأمَّا الثاني: فبأنْ قيل إنما تثبت بذلك صحة ما يقولونه لو كانت المذاهب المذكورة حاضرة لا يمكن القول بغيرها، فحينئذ إذا بطلت إلا واحداً منها تعين الحق فيه، وأما حيث غيرها من الأقوال ممكن ولا حصر فيها لما يمكن أن يذهب إليه الذاهب فلا، بل يجوز بطلان غير ما ذهبتم إليه وبطلان مذهبكم وكون الحق في غير ذلك كله.
وأمَّا الإحتجاج بالخبر: فهو آحادي، ولا دلالة فيه على أن الدعوة هي طريق ثبوت الإمامة، إنما يدل على وجوب طاعة الداعي.
وأُجِيبَ عما احتج به أهل العقد والاختيار بأن قيل: إنْ أردتم أنهم أجمعوا على ذلك معتقدين أنه الطريق إلى انعقادها فدلوا على ذلك، فلا سبيل لكم إلى تصحيحه.
وإن أردتم أنَّهُم أجمهوا على ذلك معتقدين بأنَّهُ الطريق إلى انعقادها على مجرد فعله فلا فزع لكم في ذلك، ونحن لا نُسَلِّم حسن الاختيار حينئذٍ، ولا عدم التناكر فيه، لأنَّ الإمامة في ذلك الحال ثابتة النص.
وأُجِيب عن حجة القائلين بنص الإمام: بأنَّهُ لا دليل على أنَّ الإمام الأول إليه ذلك، فإنه حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي ولا إجماع الدعي غير صحيح، فإن علياً عليه السلام أنكره ولم يرضه هو وأتباعه، فكيف ينعقد الإجماع من دونهم.
قلتُ: ولا يخفى على المتأمل أن جميع أدلة أهل المذاهب الثلاثة المذكورة عن القطع بمراحل، وأنها إذا مُحِّصت وتأملت حق التأمل لم تنته بنا إلى يقين، ولا أفادت القطع الخالي عن التجويز والتخمين.
وأولى ما يُقال: إنَّهُ لا بد من الجمع بين الأمرين العقد والاختيار، والدعاء إلى الله تعالى، والانتصاب لهذا الأمر، وإشهار النفس له، وأن أحدهما لا يكفي في ثبوت الإمامة على سبيل القطع.
وأمَّا العقد فإذا فرضت حصوله وأن جماعة من أهل الحل والعقد اختاروا واحداً صالحاً للإمامة فعقدوها له، ونصبوه، واختاروه، ثم أغلق باب داره على نفسه وخمل ولم ينهض، ولا شهر سيفه ويدع إلى ربه، فليس من الإمامة في شيء، وأي نفع لذلك في أمر الإمامة وتكاليفها العامة، وما أحسن ما أثر عن موسى بن جعفر حيث قال: ليس منا أهل البيت إماماً مفترض الطاعة وهو جالس في بيته، والناس ......
وعن الإمام الحسين بن علي الفخي() أنَّهُ قال: مَنْ كان منَّا أهل البيت داعياً إلى كتاب الله تعالى، وإلى جهاد أئمة الجور، فهو من حسنات زيد بن علي، فتح والله لنا زيد بن علي الجنة وقال: {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ} [الحجر:26].
وعن الإمام الجليل زيد بن علي أنَّهُ قال: (أيكون إماماً الجالس في بيته، المسبل عليه ستره).