واعلم: أن المذاهب في طريق انعقاد الإمامة كثيرة متفاوتة، ولكن هذين المذهبين هما المعول عليه، والمرجوع للمحققين إليه، وقد ذهب أكثر المعتزلة منهم: الشيخ أبو هاشم أن من طرقها عهد الإمام الأول على من يقوم بها بعده، إذا قَبِل ذلك المعهود إليه.
قيل [المهدي]: وهو قول أكثر الأمة، وخالفهم أبو علي في ذلك، وحكى عنه المهدي عليه السلام أن الإمامة تنعقد بذلك مع رضا أهل الحل والعقد() ، وقال سليمان بن جرير(): إذا أراد الإمام أن ينص على غيره فله ذلك، لاعلى جهة الإلزام، بل من قبيل المشورة عليهم، والتعريف لهم بصلاحيته، بأن يختاروه إن شاءوا.
وفي المسألة مذاهب أخر كقول من قال: تنعقد بالغلبة() ، وقول من قال: بالإرث() ، وقول من قال: بالنص() ، هذه المذاهب جديرة بترك ذكرها وعدم سطرها.
حجة أصحابنا على اعتبار الدعوة إجماع العترة قيل [المهدي]: وإجماعهم على ذلك واضحٌ في مصنفاتهم وسيرهم، لا يمكن إنكاره ولا دفعه، واحتجوا بأن المعلوم أنه لا بد من طريق إلى انعقادها، والأمة مفترقة في ذلك، فقائل بالدعوة، وقائل بالعقد والاختيار، وقائل: بالنص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو من الإمام، وقائل: بالغلبة.
فإذا أبطلت الأقوال الثلاثة غير الدعوة تعيّن الحق في القول بها، وإلا خرج الحق على() أيدي الأمة، وأن تكون كلها مخطئة فيما الحق فيه مع واحد، وذلك يتضمن() إجماعهم على الخطأ.
واحتج أيضاً بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه على الله منخريه في النار)) () ، والواعية الدعاء والمراد به دعاء الإمام.
واحتج أهل العقد والاختيار بالإجماع الواقع من الصحابة يوم السقيفة على الفزع إلى العقد والاختيار والاعتبار له، وحكمهم بصحة الإمامة من وقع في ذلك في حقه دون من لم يقع له، فاقتضى ذلك أن الإمامة لا تنعقد إلا به.
واحتج القائلون بالنص من الإمام بعمل الصحابة رضي الله عنهم، فإنَّ أبا بكر عهد إلى عمر فأجمعوا على وجوب العمل بذلك وسمعوا وأطاعوا، فكان ذلك إجماعاً على أنه طريق تنعقد به الإمامة كالعقد، وزاد من لم يعتبر رضا أهل العقد والحل أن الناس كرهوا عهد أبي بكر إلى عمر، حتى قالوا: وليت علينا فظاً غليظاً، ولم تمنع كراهتهم من تمام ذلك، ولا انتقض بها ما أبرم منه.
فهذه زبدة ما احتج به أهل المذاهب الثلاثة، وتوصلوا به إلى تصحيح ما ذهبوا إليه، وقد اعترض دليل الأصحاب:
أما الأول: فبأنْ قِيل: وأي إجماع من العترة وفيهم إمامية يخالفون في ذلك؟ ثم أن العترة كيف يعلم إجماعهم مع انتشار أعدادهم في أقطار الأرض؟ وأي سبيل إلى العلم بهم، فكيف بإجماعهم ذكره ض [عبد الله الدواري] في تعليقه، ومثل هذا المعنى في إجماع العترة، ذكره السيد محمد بن إبراهيم() في كتابه (العواصم) وبسط القول فيه، وذكر من علماء العترة وأعيانهم خلقاً كثيراً في المغرب لا يطلع على مذاهبهم ولا أقوالهم.