وغير بعيد أن يستهجن كثير ممن يقف على كلامنا هذا، جعلنا هذه الوجوه طريقنا إلى عظم شأن هذه المسألة ومخرطة لها عن حيز المسائل القليلة الخطر، ومنهجاً إلى إلحاقها بالمسائل الجليلة القدرالعظيمة الشأن، التي يصير بها من لم يصب جادة الصواب فيها ويسلكها من الآثمين، بل من الظالمين، وسبب الإستهجان كون هذه المشاق مما لم يسبق إليه، ولا يطرق الأسماع، وكأنَّه قريب الميلاد والنفوس تنفرعما لا تألفه وتعتاده، وإلا فمن أنصف، وجانب التكبر بما تعجرف، وتأمل ما هداه الدليل إليه من سواء السبيل وتعرف، وجده كلاماً حسن المعاني، قوي المباني، وهذا شيء دعانا إليه ما تيقناه من عظم أمر الإمامةوحالها ومحلها، وارتفاع منزلتها ودرجتها، مع كون أدلتها ليست بذلك.
فقد ورد عليها أسئلة مشكلة من أراد الاطلاع على تحقيقها، والوقوف على غاية ما قيل فيها، فليطالع المراسلة الدائرة بيننا وبين حي الفقيه الأفضل جمال الدين علي بن محمد البكري() رحمه الله تعالى، فإنا وإياه أشبعنا الفصل وأتينا بما له على ما ذكره غيرنا في ذلك فضل.
وكذلك شرح مقدمة الكلام من كتاب (البحر) لمصنفه قدس الله تعالى وجهه وروحه، فإنه بسط في ذلك ووسع المسالك، فجزاه الله تعالى خيراً.
تعرف مما ذكرناه ونشرناه أن الإمام من مصالح الدين العظيمة، وخيراته العميمة، وهو أمر لا ينبغي أن يُعدل عنه، ولا أن يُسْتراب فيه، وعليه نص الشيخ أبو علي() ، وقاضي القضاة() ، وعزا إلى الشيخ أبي هاشم() القول بأنَّه من مصالح الدنيا، والأمور المتعلقة به كلها دنيوية، فحكمه في ذلك كحكمها، وكان مثل هذا الشيخ جدير بأن لا يصدر عنه مثل هذا القول ولا يحوم حوله، والله سبحانه أعلم.
قيل [الإمام يحيى بن حمزة]: والإجماع منعقد على أن الرجل لا يكون إماماً بمجرد صلاحيته للإمامة، وإنما يكون إماماً بأمر آخر غير ذلك.
وقيل [الإمام المهدي]: حكى الحاكم() عن بعض الزيدية أنه باجتماع الخصال يصير إماماً.
قال: الصحيح من مذهبهم أنه لا يصير إماماً إلا بانضمام أمر زائد، انتهى.
قال المهدي: ولا أحفظ هذا المذهب لأحد من الزيدية، وإن صح فهو ظاهر السقوط لخرقه الإجماع السابق.
وقد اختلف في ذلك الأمر، فمذهب الجمهور من الزيدية إلى أن الإمامةتنعقد في غير من وقع النص عليه بالدعوة، وذهبت المعتزلة، والأشعرية، والخوارج، والمرجئة، وأصحاب الحديث، والأكثر من أهل القبلة، والصالحية من الزيدية، إلى أنها تنعقد بالعقد والاختيار.
قال الإمام المهدي عليه السلام وبه قال بعض الزيدية كالمؤيد بالله ومن تابعه، وقال الإمام يحيى عليه السلام : حكى عن الإمام المؤيد بالله عليه السلام أنه قال: لا يمتنع أن يكون عقد الخمسة لمن اجتمعت فيه الخصال طريقاً إلى ثبوت الإمامة.