واحتفال أهل المذاهب على اختلافها حتى وفق الله سبحانه للوقوف على كلام لبعض المحققين المعتبرين من المتأخرين يتضمن تزييف ما ذكره، وتضعيف ما زبره وسطره في هذا المعنى، حتى كأنا أخذنا كلامنا عنه، أو أخذ كلامه عنا، فتأمل ما ذكرناه تأمل إنصاف، وأحط بما أشرنا إليه من جميع الأطراف، وما زلنا في هذه المسألة نقدم رجلاً ونؤخر أخرى، ونمعن النظر فيما هو أولى وأحرى.
فإنْ نظرنا إلى الأدلة المذكورة وتأملنا مقدماتها، وأردنا نظمها في سلك الأدلة القطعية والبراهين اليقينية، وجدناها كما أشرنا إليه ونبهنا عليه، وإن حكمنا على تلك الأدلة بأنها ظنية، ورجعنا إلى أن هذه المسائل اجتهادية فكيف هذا وعلى أي وجه يتقرر؟ مع كون هذه المسألة كما قدمنا ذكره من معظمات المسائل الدينية، وقواعد الأحكام الشرعية، وعليها يبنى أمر الجهاد الأعظم، الذي هو سنام الإسلام، وأفضل أنواع البر، ومعظم ما بعث له النبي الأمين عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأزكى التحيات، واشتغل خاتم النبيين عليه السلام ، وإليها مرجع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجديد أمر الشريعة النبوية المطهرة، وصيانتها من كل خصلة رِذْلِة، وإنصاف المظلوم من الظالم، والذب عن المناهي والمحارم.
ثم إنَّه خطر بالبال في هذا المعنى شيء مما يظهر به حال الإمامة ومحلها وعظم قدرها، وفخامة أمرها، وحاصله لذلك() سبحانه جبل القلوب، وغرس فيها استعظام أمر الإمامةوشدة الإحتفال بذلك، وذكر() فيها أن هذا بَشَرٌ له حال مزيد على حال أهل الرئاسة، والمملكة والسلطنة، وبعث الدواعي إلى الاتصال به والاقتراب والتمسك منه، بسبب من الأسباب، فكم إمام راجح زح() الحال، قليل المال، ذي لباس خشن، وطعام غليظ، ومنزل غير واسع، وقلة من الحفل() والأعوان، ومكابدة المشاق والرقاق، وفي زمنه وبالقرب منه سلطان أو سلاطين، كل منهم ذو أبهة رائعة ومملكة واسعة، وأموال زكية، وقصور عالية، وجنود وافية، ولباس ورواء يروق الناظرين، وأطعمة شهية لذيذة للوافدين، وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة، وغير ذلك من زهرة الحياة الدنيا ومحاسنها الغضة() ، التي صارت القلوب إليها مقبلة وبها مولعة، ولمثلها متمنية، ثم ترى الناس إلى ذلك الإمام الذي ذكرنا صفته وحاله أميل، وله أحب، ولأمره أشد تعظيماً، وأبلغ تجليلاً وتكريماً، ويجد له من الموقع مالا يكاد الوصف يحيط به دون من ذكر ممن هو ذو سلطنة، وحاله في الدنيا مستحسنة، ونجد كثيراً من الناس له علق بالإمام، وشغف به وغرام، وداره عنه نائية، فلا يعرفه ولا يدري ما صفته، ولا ينال شيئاً من معروفه، ولا يسمع شيئاً من كلامه، ولا يطلع له على سبب مما يقتضي المحبة ويغرسها، سواء كونه إماماً، وكون انتصابه للإمامة نما إلى سمعه، ومثل هذا لا يتفق لأحد من الملوك، ولو أنَّه حيزت له الدنيا بحذافيرها، وانتشرت مملكته في جميع أقطارها، وترى أعادي الإمام وإن اشتدت عداوتهم له ونكايتهم إياه أو نكايته لهم، لا يخلون عن استعظام قدره، ولا يحجدون ما عظَّمَه الله تعالى من أمره، ولا يخلون عن شجن ومخافة من عداوته، وترقب لسوء مغبتها، وترى منهم من يواصله سراً وظاهراً، ويرغب أن يكون له عبد، وتجد من ينتصب لعداوة الإمام ومعاندته لا يخلو عن أهل أو ولد أو ذي علقة بهم، يخالف ما هو عليه، وله محبة في جانب الإمام، وتعظيم له ومواصلة باطنة، واتصال إليه بسبب، ولم يحمله على ذلك كراهة مَنْ هو في جانبه، وترى أعوان الظلمة وأعيان جندهم ووجوه أركان دولتهم لا يقطعون أيديهم عن الإمام ولا يخلون عن مواصلة كماله.
وأعجب من هذا ما يتفق من بعض الملوك أهل النخوة والتكبُّر والترفع من الخضوع للإمام وإعظامه غاية الإعظام، والتذلل له ولرسله إليهم، ولمن له به أدنى علقة، سابه() يستحيل منهم أن يفعلوه لأعظم ملوك زمانهم، ويجد في قلوب الأخيار والعلماء الأحبار والزهاد الأبرار من المحبة للإمام، والولع والإشتغال بأمره أمراً عظيماً، لم يقدهم إليه هوى ولا غرض، ولا داع من دواعي الدنيا ولا غرض، مع تنوير قلوبهم وتصفيتها عن أدران الذنوب، وترى كثيراً من أهل المذاهب المخالفين لأهل هذا المذهب الشريف المتحاملين عليه والمزورين عنه، ينسون أو يتناسون ذلك في حق الإمام غالباً، وأعيانهم وعلمائهم يعظمون الإمام غاية التعظيم، ويكرمونه غاية التكريم.
ولو شرحنا ما وقفنا عليه في هذه الأنواع في حقنا، وعلمنا حقاً متيقناً لطال شرح ذلك، فهذه الأمور التي نبَّهنا عليها وأشرنا إليه، وغيرها مما تركنا ذكره، تدل دلالة واضحة على أن الإمامة لها سر عظيم، وشأن خطير، وأنها عند الله تعالى بمكان مكين ومحل رفيع، وأنها ليست بمنزلة المسائل الاجتهادية الظنية، التي كل مجتهد فيها مصيب، والمقدم فيها والمحجم آخذ من الإصابة بنصيب.
ووجه آخر وهو: أنَّ المتأمل لأمورها، وحال المترشح لها، الناهض بأعبائها، مطلع على أنه يحصل بالإمام من المصالح الدينية، والمطالب المرضية، وحراسة الدين الحنيف، والعلم العظيم الشريف، ونفع المسلمين، وقمع الظالمين، وحياة الدين، وإيغار صدور المعتدين، مالا يكاد تخطر سعته وكثرته ببال، ومن تأمل حال الأمة ومساعيهم، وما تشتمل عليه الأوقات والساعات من أعمالهم وأقوالهم، وخطابهم وكتابهم، وجد من ذلك ما يشفي الصدور، ويدل على الحظ الموفور، وإن ذلك لو لم يكن لكان سبباً في الاختلال، وتناقض الأحوال والمصالح التي يشتغل بها الإمام، ويعتني بها الإعتناء التام، ويقطع فيها الليالي والأيام، والشهور والأعوام، لو أخذنا في ذكرها ونشرها وتفصيلها وتحصيلها استوعبت كثيراً من الأوراق، ولطال فيها المشاق، وخرجنا عما نحن بصدده من الإيجاز، والتحفظ عن إرخاء القلم والاحتراز، ولا ينبئك مثل خبير.
وبالجملة فأئمة الهدى حقاً كما قيل: (خلفاء الله في أرضه، وأُمنَاه على خلقه، وحُرَّاس دينه، وحفظة شريعته، وملجأ بريته).
ولو أنَّ إماماً تناهى به ضعف الشوكة، وقلة الجهد، وعدم انبساط اليد، إلى أن يقف بأعلى جبل عال لا يمد ولا يقبض، ولا يبرم ولا ينقض مع كماله في نفسه، وجمعه لشرائط الامامة، وكونه لم يؤتّ في ذلك من سوء تدبير، ولا زهد في الخير، ولا تقصير في السعي، لكان للمسلمين فيه خير كثير ونفع كبير، يرجعون إليه في المهمات، ويصدرون عنه في كثير من التصرفات، ويكونون الأمور() المركبة على الإمامة أهل استقرار وثبات.
قال بعض الفضلاء من السادة لإمام -زمانه وقد كثرت حركاته واقتحامه لأخطار الأسفار- ما معناه: ترجيح السكون وعدم تعريض النفس للذهاب أن يقال() للمسلمين، ولو وقع السكون والوقوف رأس جبل عال ليس بقليل، وهو أرجح من فوائد الإحتراك مع تجويز الهلاك.
ووجه آخر:وهو أنك تجد لأئمة الهدى من التنويرات، والكرامات، وإجابة الدعوات، والحالات الدالة على عظم المكانة عند الله تعالى، ما يهدي إلى شرف هذه المنزلة وعلو هذه الدرجة، وأن هذا ليس بموكول إلى نظر الناظر واجتهاد المجتهد، ولا بحال يستوي فيه المحتفل والمهمل، والناهض والرافض، والمحب والباغض، والنافي والمثبت، والملتزم والمتلعب، وأن هذه المسألة ليست كمسألة المضمضة والإستنشاق وغسل الرجلين ومسحهما، ونحو ذلك من المسائل الظنية والاجتهادية التي درجتها بالنظر إلى غيرها غير عليه.