قلت: ولا يبعد أنَّ أكثرهم القائلون إنَّها اجتهادية، فإنه لا ينقل عن أحد من طوائف الفقهاء وأتباع أئمتهم القول بقطعيتها، وكلامهم فيها وقواعدهم تقضي بأنها عندهم من المسائل الظنية الاجتهادية.

واعلم: أنَّ هذا الخلاف يذكر في وجوب الإمامة، والظاهر أنَّ القائلين بقطعيتها يقولون بذلك في وجوبها، وغيره من مسائلها كشروطها وأحكامها وطريقتها، والنص على بعض الأئمة وغير ذلك، ويعدون الإمامةوتفاريعها من المسائل القطعية العلمية، وما كان فيها من عملي فمترتب() على علمي، وإدخالهم لها في فن الكلام يدل على ذلك، فأنه لا شيء منه ظني، وأنَّ القائلين بظنيتها دون ذلك في جميع مسائلها، إذ لا يصح أن يكون فروعها قطعية وأصولها ظنية ولا ذلك، وهو كالعلم بالصفة مع العلم بالذات، فلا يصح أن يكون العلم بالذات استدلالياً، والعلم بالصفة ضرورياً، ولا أن يكون اعتقاد الذات غير علم، واعتقاد الصفة علماً، وهذا أمر ظاهر، والله أعلم.

ونحن نقول وبالله التوفيق: هذه مسألة تحار فيها الأفهام، وتكثر فيها الأوهام، ومن حقق النظر فيها ازداد تحيره وطال تفكره، فإن حكمنا على أدلتها بأنها ظنية، وأن المسألة اجتهادية، أدى ذلك إلى طرف من التهاون بأمرها، وتحقير ما عظمه الله تعالى من قدرها، مع كون هذه المسألة من قواعد الإسلام، وعليها يدار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو من أعظم أبواب الدين، وله بعثت الرسل عليهم السلام  وأنزلت الكتب، وعليها يترتب إذهاب النفوس، وإتلاف الأموال، وتجهيز الجنود، وإنفاق أموال الله تعالى، وغير ذلك مما يطول ذكره ونشره.

وإن قلنا: بأنها قطعية، وأنها من المسائل العلمية اليقينية، فقاعدة ذلك قيام البراهين الموصلة إلى العلم اليقين المؤدية إليه الموقفة عليه، وما سكنت النفوس إلى أن أدلة هذه المسائل من هذا القبيل الصريح، ولا وجدناها على ما يراد من التنقيح والتصحيح، ولا سليمة من ورود الإشكال، ولا خالصة عن التشكك بحال، والأدلة السمعية القطعية في القرآن الصريح الذي هو نص، والسنة المتواترة تواتراً حقيقياً مع صراحة دلالتها وخلوها عن اللبس، وكونها من قبيل النص والإجماع المتواتر المعلوم، والقياس الذي لا شك فيه.

فأما الدليل من الكتاب والسنة على وجوب الإمامةفمنتف، ولم يرد في آيات القرآن ولا الأحاديث النبوية المتواترة صريحة الدلالة في هذه المسألة شيء.

وأما القياس فلا مدخل له هنا وأدلته المذكورة من قبيل الإجماع، ومرجعها كلها إليه، ومدارها عليه، وقطعية دلالة الإجماع تنبني على أصلين لا بد أن يكونا قطعيين:

أحدهما: أدلة حجية الإجماع.

والثاني: تهيىء الطريق إلى حصوله.

فأمَّا أدلة حجِّيَّته: فهي مذكورة مشهورة، وفي إفادتها للقطع إشكال، لأن الذي اُستُدِل به في ذلك من الكتاب من قبيل الظواهر التي دلالتها ظنية، والذي استدل به من السنة أخبار أُحادية()، والذي تكلفه ابن الحاجب() وغيره واعتسفوا فيه من الاستدلال  على الإجماع بالإجماع، أو ما يعود إليه هو من قبيل ظن السراب ماءً.

ولقد أتى ابن الحاجب مع كماله وجلالة حاله في هذا المعنى بمالا يروج ولا يُلْتفت إليه، وسلك فيه مسلكاً بعيداً عن المنهج السوي، ولم يزل منذ طالعنا كتابه ودارسناه نستهجن ذلك ونتعجب من عدم تنبيه شارحي كتابه على عدم صوابه، وكوننا لم نقف على اعتراضه في ذلك، ولا تعرض أحد من المحققين لمنافسته مع تداول الأيدي لكتابه.

45 / 331
ع
En
A+
A-