سؤال(ع): في النّسْخِ: قال السائل في أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بتحريق هبّار بن الأسود، ونافع بن عبد القيس، إذا ظُفِرَ بهما، ثم نهيُه في اليوم الثاني عن تحريقهما إذا ظفر بهما حجة لمن يجيز النسخ للشيء قبل إمكان فعله، فما المخرج؟ هذا مضمون سؤال السائل.

قال عليه السلام : الجواب والله الموفق للصواب: أن التحريق بالنار قد كان جائزاً قبل ذلك، بدليل: ((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أمر بتحريق من كذَب عليه))، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لقد هممت أن آمر فتيتي، فيجمعون لي حزماً من حطب، ثم آتي قوماً يصلّون في بيوتهم ليست بهم علّة فأحرقها عليهم)) () وهذا يدل على أن التحريق بالنار والتعذيب بها كان جائزاً مستقراً.

إذا تقرر () ذلك، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم  أمر بتحريق الرجلين استصحاباً للحكم وجُريّاً على الأصل الظاهر في بقاء الحكم، ثم ورد النسخ قبل تحريق الرجلين، لعلم الله سبحانه وتعالى بارتفاع المصلحة في التعذيب بالحريق ، وحصول المفسدة فيه، وليس ذلك من نسخ الشئ قبل إمكان فعله إذ العلم بهذا الحكم قد تطاولت به الأزمان وتقدر فيه الإمكان، وإنما كان يكون نسخاً قبل إمكان الفعل لو نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بأن يأمر بتحريق الرجلين ثم ينزل الوحي بالنهي عن تحريقهما قبل التمكن عن تحريقهما، تعالى الله عن ذلك، وهاهنا لم ينزل الوحي بالأمر بتحريقهما وإنما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم  استصحاباً لبقاء الحكم، فلم يكن نسخاً للشئ قبل إمكان فعله.

قال السائل: وكذا في سورة برآءة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  بعث بها علياً عليه السلام  بعد أبي بكر قبل وصول أبي بكر بالسورة()؟

قال عليه السلام : الجواب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أمر أبا بكر برأيه من حيث أنه مخيرٌ في إرسال من شاء من الثقات، وليس بوحي نزل، ثم رأى بعد ذلك وقوي عنده أن يأمر علياً عليه السلام  بالتبليغ وجرّياً على عادة العرب في أنه لا يبلغ العهد إلاّ رجل معاهد أو رجل منه، ولا يعد ذلك نسخاً، إذ الرأي يعقب الرأي، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أمر يوم بدر بنزول الجيش بمكان، فقيل له: إن كان بوحي اتبعنا، وإن [رأياً] كان رأيته، فالنزول بمكان آخر أولى، فصوّبَهُم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يكن ذلك نسخاً، مع أنه قد روي أنه قد أمر علياً عليه السلام  بوحي نزل، ووجه آخر: وهو أنه قيل: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  أمّرَ أبا بكر أميراً على الجيش، وأمّرَ علياً بسورة برآءة، ولهذا قال أبوبكر لعلي عليه السلام : أرسلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  أميراً أو مأموراً؟ قال علي عليه السلام  بل مأموراً فاختلف الحُكمَان.

قال السائل: في تحقيق شبهة الأصفهاني في النسخ: أن الله تعالى إذا علم استمرار هذا الحكم أبداً، لم يجز نسخه لأنه يؤدي إلى انقلاب علم الله جهلاً، وإن علم أنه يرتفع عند أن تنتهي إليه المصلحة، لم يكن نسخاً لأنّ ارتفاع الحكم لم يكن نسخاً، لأنّ ارتفاع الحكم المقيّد بغايةٍ عند وجودها ليس بنسخٍ؟ هذا مضمون السؤال.

قال عليه السلام :الجواب: أن هذه الشبهة إنما هي واردة على تسمية النسخ نسخاً فقط، لا حقيقة النسخ ومعناه، لأنّ فيها تسليم أن الحكم ينتهي إلى غاية تنتهي إليها المصلحة، ولكن لايسمى نسخاً.

إذا ثبت هذا، فإذا سُلِّم فالشبهة في التحقيق غير قادحة في المعنى، فإذا سُلم المعنى فالخطر في التسمية يسير، وربّمَا لا يجب الجواب على الشبهة الواردة على الشبهة إذا سلم المعنى، ثم أنا نجيب ونقول: النسخ هو: بيان أمد الحكم الشرعي وغايته بطريق شرعي. هذه حقيقة النسخ الصحيحة، وفيه حقائق كثيرة، هذه أحسنها وأكثرها مطابقة للمعنى، وليس النسخ رفعاً للحكم المستقر فذلك لايجوز على الله تعالى.

وأمّا تسمية هذا المعنى نسخاً، فهي تسمية شرعية، قال الله تعالى:{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة:106] ، ولهذه التسمية في هذا المعنى شبه بالتسمية اللغوية في معناها اللغوي لأنّ النسخ في اللغة هو الإزالة والتغيير والنسخ الشرعي فيه إزالة الحكم الثابت في الظاهر لا في معلوم الله تعالى، لأنّ ظاهر الحكم الاستمرار والبقاء حتى يرد النسخ فيزيله في الظاهر ويغيّره، إذ لولا النسخ لبقي العمل بالحكم واستمر، فكأنه أزاله ورفعه، فمن هاهنا سُمي نسخاً.هـ

 

330 / 331
ع
En
A+
A-