الجواب: أمّا المخرّج فليس ذلك مذهباً له قطعاً، وأمّا المخرَّج له فهو مذهب له لا بالنص، بل بالمفهوم ونحوه، وقد ادعى بعض علماء الأصول أن هذه المسألة محارة، وأنه لا يعد التخريج مذهباً للمخرج ولاللمخرج له، وعندي أنه لاحيرة كما زعم، وأنه لمّا كان اللازم للمقلد الرجوع إلى مذهب إمامه لزمه العمل بمقتضى التخريج الصحيح، كما أن المجتهد لما كان فرضه الرجوع إلى الكتاب والسنة، لزمه العمل بمفهوماتهما الصحيحة وما تقتضيه الدلالة الإلزامية، كما يلزمه ذلك في النصوص ودلالة المطابقة، والله أعلم.

سؤال(ع): تكليف الشيطان نعوذ بالله منه إذا قيل بتكليفه كما هو ظاهر قول أصحابنا، ما تكون فائدة التكليف، وقد علِمَ الله أنه من أهل النار؟ وقد أشار ابن الحاجب في المنتهى إلى انه لافائدة في التكليف مع إعلام المكلِّف للمكلَّف أنه لا يمتثل، ذكر ما هذا معناه، فما فائدة تكليف الشيطان مع إعلام الله له بأنه من أهل النيران؟

الجواب: تكليف الشيطان لا ينبغي أن يشك فيه أحد من أهل الإيمان، وكيف وذلك مصرَّحٌ به في غير آية من القرآن، فإن الله سبحانه نص على أنه كلفه السجود، وأمره به وأنه عصى وأبَى، وذمّه على ذلك، وذكر كفره وأنه رجيم ومخاطبته لأتباعه، وقوله: وما أنت بمصرخيَّ، وغير ذلك مما لا يدفع، وما أظن أنَّ أحداً من المسلمين يخالف في أنه كُلِّف السجود، وأنه حال الأمر به مكلَّفٌ، إذ لو لم يكن مكلَّفاً لِمَا أُمر به لَمَا وُصِفَ بالعصيان بتركه، وأمَّا بعد ذلك، فأيّ موجبٌ لخروجه عن التكليف؟ فإنّ المكلَّف لا يخرج عنه في دار الدنيا إلاّ بالموت، أو زوال العقل، وأمَّا السؤال عن فائدة التكليف، ففائدته في حقّه كفائدته في حق غيره من الكفار وأهل النار، وإخبارُه بأنه لا يؤمن، ليس بمبطلٍ لتلك الفائدة، على قاعدة الاصحاب ، وأهل العدل فإن الفائدة عندهم التعريض لمنافع لاتنال إلاّ به، والتعريض حاصل في حقه، فلو أختار الطاعة، لنال تلك المنافع، ولمَا كان لهُ مانع، وأمَّا كلام ابن الحاجب فمبني على قاعدة له، أن الفائدة في التكليف غير ذلك، وله قاعدة أخرى لا يمنع معها التكليف لمن تلك حاله، وهو رفع قاعدة الحكمة، وأنه لا يسأل بعد عمّا يفعل، ثم أنَّا نقول: ما الوجه في جعل إعلام اللّه إياه أنه من أهل النار مانعاً عن تكليفه؟ هل من جهة القدرة، أو من جهة الحكمة؟ الأول: لا قائلْ به، ولا وجه، وأمّا الثاني، فنقول: تكليفه لا يقدح في الحكمة، لوجهين: جملي، وتفصيلي.

أما الجُمْلي: فإن الحكمة قد ثبتت بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، وما أشكل علينا وجهه رددناه إلى ذلك ولم يلزمنا أن نطلع عليه مفصلاً.

وأمّا التفصيلي: فلأنَّ الأصحاب قد بنوا على أن وجه الحكمة في التكليف التعريض للمنافع التي لاتنال إلاّ به، لافرق بين أن يؤول أمر المكلَّف إلى فعلها أو إلى عكسها، وإذا حققت، فلا فرق بين مَنِ المعلوم من حاله أنه يكفر، وبين مَنْ أخبر بأنه يكفر، والإشكال الذي أوردوه في أنه يلزم تكليفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، ونحو ذلك له أجوبة معروفة .

نعم: قد ذكرنا أنَّ القرآن العظيم دالٌ على تكليف الشيطان، وهو أمر ظاهر، وكذلك فغيره من أدلة السمع دالة عليه، كما يعلم ذلك مَنِ استقرأ الأخبار النبوية، وأيضاً فالقاعدة العقلية تقضي بذلك، فإنّ من قواعد أهل العدل أن شرائط التكليف إذا اجتمعت صار من اجتمعت في حقه مكلفاً بكلّ حال، ولايقف تكليفه وعدمه على الإخبار، وهي حاصلة في حق الشيطان على الوفاء والتمام،  والله أعلم بالصواب.

سؤال(ع): شكر أهل الجنة إذاكانوا ملجئين إلى ذلك، هل يكون واجباً عليهم أم لا؟ وهل الوجوب يجامع الإلجاء، وقد ذكر العلماء أنه لا يجامعه فيتأمل ذلك؟

أجاب: بأن قاعدة الأصحاب أنه لاتكليف إلاّمع المشقة واستلزامه الإثابة على الفعل والمدح عليه، والمعاقبة على الترك والذم عليه، وأن أهل الجنة لا يجوز أن يلحقهم شيء من التنغيص والمشقة، وأنه لاتكليف إلاّ مع تعارض الدواعي والصوارف وتردد المكلَّف، فيكون له إلى القبح وترك الواجب حاجة وداع، وأنه لا اختيار مع معرفة الله ضرورة، فمن هذه القواعد حكموا بعدم تكليف أهل الجنة، والشكر عندهم وغيره من الواجبات العقلية، وغيرها لا يجب عليهم، والوجوب لايجامع الإلجاء،  والله سبحانه أعلم .

وسئل(ع): عن قول كثير من الأصحاب: هو مستفتٍ واعتقاده أن معنى المستفتي هو أن يعمل بمذهب هذا ساعةً، وبمذهب الآخر أخرى، في مسألةٍ واحدةٍ، وكونك لم تفهم معنى المستفتي، واعتقادك أنه الذي سأل لا من قد عمل، فهو مقلّد... إلى آخر ماذكرته.

أجاب: إعلم أنَّ هذه العبارة والفرق بين المقلّد والمستفتي أمرٌ حادث مستصلح عليه غير مذكور في كتب الأصول المتداولة، وأكثر ما يحصل لي من هذا الإصطلاح مع كثرة البحث والتأمل أن المقلد فيه: من التزم مذهب إمام معين وإمامين فصاعداً مع التعيين، على الخلاف في الالتزام ماهو؟ وبمَ يكون؟ وأن المستفتي: من بنى نفسه على عدم الالتزام وانتفاء الاعتزاء إلى إمام، وأنه متى عرضت له حادثة أو مسألة يحتاج إلى العمل فيها إلى أمرٍ، رجع في ذلك إلى عالم حي أوميت فيعمل بمذهبه فيها، وكان ذلك مذهباً له، ليس له أن يتعداه إلى غيره، بل له أن يعمل بقولِ غيرِ ذلكَ العالِمْ في غير تلك المسألة، ولايصدر ذلك القول الذي حكيته، وهو أن يعمل بمذهب هذا ساعة وبمذهب غيره أخرى، إلاّ من جاهل، والله سبحانه أعلم.

324 / 331
ع
En
A+
A-