وأمَّا المسائل الأصولية فليست عملية، فلا مجال للتقليد فيها، ولعل د ليل الجواز: أن ثمرة مسائل الأصول هي العمل، ألاَ ترى أنّ وجوب قبول خبر الواحد ثمرته العمل بقوله، وجواز التقليد ثمرته العمل بقول الغير، فهي وإن لم تكن عملية، فالغرض بها راجع إلى العمل، وهذا هو الأرجح عندي، ويوضحه: أن مسائل أصول الفقه إذا تأملت وجدتها ظنية، والبراهين عنها منفية، وإذا لم يكن المتحصل للناظر فيها إلاَّ الظن فالمقلد يحصل له ذلك إذا قلد من عرف علمه وعدالته، لكن لايتأتى للمقلد فيها الاجتهاد، وكيف يترتب الاجتهاد على التقليد؟ والله أعلم.

سؤال(ع): علامَ يؤوّل ما احتج به إبن الحاجب من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه...الخ)) () فإن فيه دلالة على خلو الزمان من المجتهدين وقد نص أصحابنا على خلافه؟

الجواب: أن هذا الخبر صريح في جواز خلوِّ الزمان من المجتهدين ووقوعه، ولا يمكن تأويله إلاّ على وجه التعسف الذي لا يشجع عليه إلاّ مخالفة القاطع، ولا قطع بأنه لايجوز خلوّ الزمان عن المجتهد، أما من جهة النقل فلأنهم احتجوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تزال طائفةٌ من أمتي .. الخبر)) () وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به... الخبر)) () وهذان الخبران كما ترى لا تصريح فيهما بذلك وليسا متواترين، وأما من جهة العقل فلأنهم احتجوا بأن الاجتهاد فرض، فلا يجوز إطباق الأمة على الإخلال به، وهذا الاستدلال  عن القطع بمراحل، فإن المعصومين عن الخطـأ هم المجتهدون، وأيضاً فأدلة الإجماع قد سبق بيان حكمها.

إذا عرفت هذا، فالخبر المذكور لا يفتقر إلى تأويل، بل هو أرجح، ودلالته على الجواز أوضح.

سؤال(ع): وما الدليل على تحريم الانتقال بعد الالتزام؟ وإذا لم يجُزْ، فما وجه كلام الإمام علي بن محمد في تجويزه التنقل في مذاهب أهل البيت خاصّة، ولِمْ حَصَرَهُ عليهم دون غيرهم؟

الجواب: أنّ حجة التحريم تأدية ذلك إلى التهور والعمل بهوى النفس وتتبع الرخص حسبما يعرض له من سهولة وغيرها، قال المنصور بالله: وذلك يؤدي إلى الزندقة والانسلاخ من الدين، قلت: والأولى الاحتجاج بأن الإنسان فرضه العمل بما يؤدّيه إليه اجتهاده لايتعدى عنه الى() غيره، فإذا لم بكن مجتهداً ففرضه التقليد، فحيث التزم مذهب مجتهد معين فقد صير حكمه حكمه وفرضه فرضه، وفرض ذلك المجتهد ألا يتعدى مذهبه فكذلك الملتزم له، والله أعلم.

وحجة المجيز للانتقال: أن العامِّي زمن الصحابة كان يرجع ثانياً إلى غير من رجع إليه أولاً، من غير نكير، وأمّا ماذكره الإمام علي، فوجهه: أنهم سفن النجاة، ومهما لم يخرج من السفينة فلا هلاك. قلت: وفيه نظر، لأنّ هذا ينبني على أن المخالف لهم هالِكٌ، وذلك في غير مسائل الفروع، إذ مذهبنا أن كل مجتهد مصيب، وأن غيرهم من المجتهدين حكمُه حكمُهُ في الإصابة وجواز تقليده، والله أعلم.

سؤال(ع): وهل يجب الانتقال إلى ترجيح النفس أم يجوز فقط؟

الجواب: قد ذكر بعضهم وجوب ذلك على قاعدة من منع تقليد مجتهدٍ لمجتهدٍ غيره وإلا لم يجب. قلت: والقوي عندي وجوبه، لأنّ الاجتهاد هو الدرجة العليا، والترجيح درجة واسطة، والدرجة السفلى هي التقليد، فلا يعدل إلى درجة مع إمكان الترقي عنها، إذ الأدْوَنُ بدل عن الأعلى، فلا يعدل إلى البدل مع إمكان المبدل عنه.

سؤال(ع): التخريج. لمن يكون مذهباً؟ هل للمخرّج أو للإمام المخرَّج له؟ أو لا أيهما؟

323 / 331
ع
En
A+
A-