فإن قلت: ليس هذا شأن الناس، فإن العوام ليس طريقهم إلى جواز التقليد في الأحكام إلاّ تقليد العلماء في ذلك، فهم مقلّدون لهم في الأحكام، وفي جواز التقليد فيها من غير نكير، ولانعلم أن أحداً من المجتهدين أمر العوام بأن ينظروا أولاً هل يجوز لهم التقليد أو لا؟ وقال لهم: لا أفتيكم حتى تنظروا في هذا!! بل إذا سألوهم عن الحادثة أفتوهم، وأخبروهم أيضاً بـأن فرضهم العمل بقولهم، فكيف أوجبت عدم التقليد في جواز التقليد؟

قلت: وما هذه المسألة من غيرها بالنظر إلى ما ذكرته من عدم إلزام العلماء للعوام مايلزمهم، وترك التنبيه لهم على فرضهم، وما يجب عليهم، ألا ترى أن مذهب جمهور علماء الإسلام وفرق الأمة أن التقليد في مسائل الكلام لايجوز؟ بل البعض منهم يحكمون بكفر المقلدين، ومع ذلك فإذا سألهم الجاهل عن مسألة كلامية، أجابوا عليه بما يذهبون إليه، ولم يقولوا: أنظر أولاً هل يجوز لك تقليدنا أم لا؟ وكذلك فأصحابنا والجمهور يذهبون إلى أن مسائل الإمامة قطعية، لا تقليد فيها، ومع ذلك فلم نعلم أن أحداً من الأئمة وأتباعهم من العلماء ألزموا العوام النظر في أدلتها وشدّدوا عليهم في ذلك وزجروهم عن التقليد فيها وقالوا لهم: لا يجوز لكم القول بإمامتنا وتسليم الحقوق الواجبة إلينا، إلاّبعد أن تنظروا في مسائل الإمامة من أولّها إلى آخرها وتعلموا الحق اليقين فيها وغير هذا وغيره.

سؤال(ع): ولمَ جاز التقليد في المسائل القطعية من الفروع، مع أن الحق فيها مع واحد؟

الجواب: أنهم أحتجوا على ذلك بأن المقصود فيها العمل، والعمل يسوغ فيه قبول قول الواحد، لأنّ الحال في العمل لايخلو إمّا أن يكون فيه جلب نفع، أو دفع ضرر، وما كان هذا حاله فالعقل والسمع متطابقان على سوغ العمل بالظن فيه، والاعتماد في شأنه على التقليد، لكن المقلّد في المسائل القطعية لايسوغ له أن يعتقد كون ما قاله المقلَّد فيها حقاً، لأنه لا يأمن الخطأ في ذلك، وفي المسائل الظنية له ذلك، لأنّ كل مجتهد فيها مصيب، ومراد الله تعالى من المجتهد ما أدّاه إليه اجتهاده، والله أعلم.

سؤال(ع): هل يجوز التقليد فيمن يجوز تقليده ؟وإذا لم يجُزْ، هل في جملته أم في تفاصيله؟ ولو في شخص معين؟

الجواب: أن هذه مسألة من مسائل أصول الفقه، والمحكي عن الزيدية، وجمهور المعتزلة: أنه يجوز التقليد في مسائله، وأن حكم أصول الفقه، حكم الفقه في جواز التقليد فيه()، خلاف ما ذكره الإمام المهدي في الأزهار، فإنه ذكر أن مسائل أصول الفقه لايجوز التقليد فيها، وأن معرفة من يقلَّد وفيمَ يقلَّد ونحو ذلك لايسع جهله، وعلى الأول يجوز التقليد في الجملة وهو أنه يسوغ تقليد المجتهد العدل والتفصيل وهو أن هذا يجوز تقليده.

سؤال(ع): وبماذا يؤمر العوام الذين لا يعرفون ماهيَّة التقليد ولا المقلَّد؟

الجواب: أنهم يؤمَرون باتباع العالِم العدل في مسائل التقليد، ويعرفون بأن فرضهم العمل بقوله، وهم وإن لم يحسنوا التعبير عن ماهية التقليد والمقلّد لو سئلوا عن ذلك فهم يعرفون الاتباع والتابع والمتبوع، وإذا أُمِرُوا بذلك عقلوه وتصوروه وأمكنهم العمل عليه.

سؤال(ع): وهل يجوز التقليد في أن المجتهد مصيب ؟ أم لا؟ وهل يجوز التقليد في كيفية التقليد ومايتبعها من إنتقالٍ وغيره أم لا، فإنّ فيها ما دليله ظني؟ وما الدليل على المنع أو الجواز في ذلك كله؟

الجواب: أن هذه من مسائل أصول الفقه وقد قدمنا حكاية جواز التقليد فيه عن الزيدية وغيرهم، وأشرنا إلى ما ذكره صاحب الأزهار من المنع عن ذلك، ولعل دليل المنع أنها ليست مسائل عملية فيسوغ فيها التقليد لأنّ تسويغه في العمليات من حيث أن المقصود بها إما جلب نفع، أو دفع ضرر، وكل ذلك مما يجوز العمل فيه بخبر الواحد، بل يجب فيهما التقليد المقصود به دفع الضرر، فلذلك أجزنا التقليد فيها.

322 / 331
ع
En
A+
A-