الجواب: أنَّ العلماء رحمهم الله قد بلغوا الغاية في تحرير الأدلة على أن الإجماع حجة، وكلٌ منهم استفرغ وسعه في التحرير ونفر عنها غاية التنفير وتفرقت آراؤهم فيما هو الأولى، واختلفت أنظارهم في تعيين الأقوى، وعندي أن أقواها وأجدرها بالإعتماد وأولاها: قوله تعالى: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ...} [النساء:115]، وما ورد من الأخبار في شأنه عن الصادق الأمين فهو أشفى دليل وأوضح تعليل، وغيره عليل، وأثره في إفادة القطع قليل.
فإذا عرفت ما ذكرناه وتأملت ما قررناه، فقد ورد على أدلة السمع ما يمنع عن إفادة القطع، فالأمر كما ترى، وليس علينا أن نتكلف ما يخرج عن حد الإمكان ولا أن نجري الحجة الغير القاطعة مجرى البرهان على أنا لو فرضنا أن الدليل على حجية الإجماع قاطع وأن البرهان في ذلك ساطع، والاستدلال بالإجماع على وجه يورث اليقين ويخرج عن حيّز الظن والتخمين متعذر من طريق أخرى، وهو أنه لا سبيل إلى القطع بأن الأمة أجمعوا على حكم من الأحكام واتفقوا عليه في وقت معين لم يشُذّ عنهم أحدٌ بسكوت عنه أو مخالفة فيه، هيهات ذلك هيهات، هذا أمرٌ يتعذّر الحكم به والإثبات، ومَن ادعى القطع فدعوى لانظر لها ولا التفات، وقد سلّم هذا واعترف به النحارير الأثبات، بل ذكر بعض المحققين أنه لاسبيل إلى معرفة إجماع أهل البيت عليهم السلام والقطع به، وهم شرذمةٌ قليلون بالنظر إلى الأمة كافة، وحقّقَ ذلك وأوضحه واستظهر عليه بأنّ من أهل البيت الجم الغفير والعدد الكثير لم يشتهروا، ولا ذكروا، ولا نسب إليهم مقال، ولا ظهر لهم مذهب ولا استدلال، ولا اطُّلِعَ لهم على تصنيف ولا عُثر لهم على تأليف، ثم عدّد منهم خلقاً كثيراً وذكر أنهم كانوا بالأندلس ونواحيه بالمغرب، وهذا لعمري هو القول الفصل والمذهب الجزل، وبهذه الطريقة يستراح من اللجاج في أدلة الإجماع والإلحاح، فإنَّا إن سلمنا أنها براهين تفيد العلم اليقين فالقطع يبطل من هذا الوجه الأخير الذي وقع عند الإفصاح والتعبير.
فإن قلت: ما تقول فيما ذكره ابن الحاجب: من أنا نقطع على أنهم أجمعوا على أن القاطع يقدم على الظني ولايتطرق إلى ذلك تشكيك مشكك؟
قلت: القطع بأنهم أجمعوا على ذلك ليس من جهة أنه نقل عنهم تواتر اتفاقهم على ذلك في وقت واحد، بل من حيث أن شأن كلّ عاقل فضلاً عن ذي العلم وكامل التمييز ومستقيم الطبع أن يقدم القاطع على المظنون فلا يأخذ بالشك ويترك اليقين بحيث أنا لو فرضنا قائلاً بذلك لكان غير معتبر في انعقاد الإجماع متضعاً على أهلية الاعتبار غاية الاتّضاع، كما أنا نقطع بأنهم أجمعوا على وجوب الصلاة والزكاة ونحو ذلك، من جهة أنه معلوم من ضرورة الدين، فلا يمكن أن يخالف فيه أحدٌ من المسلمين، ومن خالف فهو كافر غير معتبر في الإجماع، لا أنا نعلم إجماعهم من حيث أنهم سئلوا في وقتٍ واحدٍ بعد أن حضروا وأجابوا بجواب واحد، ونُقِل إلينا تواتراً فذلك أمرٌ متعذّرٌ، ولايمكن القطع بالإجماع إلا في هذين النوعين، وهما غنيان عن الاستدلال ، وما عداهما، فلا يمكن الاطلاع على أنهم أجمعوا فيه قطعاً، بل يُظنّ إجماعهم من جهة اشتهار القول بذلك، والنصّ عليه من البعض، وعدم نقل الخلاف من البقية ونحو ذلك، وقد قرّرنا هذا المعنى وأوضحناه في بعض رسائلنا والله الموفق، وقد استُهْجِنَ ما ذكره ابن الحاجب وبالغ جماعة من المحققين في استنكاره واستسماجه.
قوله: فما الدليل القطعي على جواز الأخذ بالظواهر غيره؟
قلنا: لا نعلم دليلاً قاطعاً على ذلك فإن اطلّع عليه السائل أيده الله أهداه إلينا، ويالكِ هديةً إن أمكنت، ومنحة إن حصلت، اللهم زدنا علماً، وأقرب أدلة الظواهر إلى القطع ما استدل به أبو الحسين دلالة عقلية، وهو أن العمل بالظن في تفاصيل ماعلم جملة يجب عقلاً، كخبر العدل في ضعف حائط، أو سمّ طعامٍ، أوخوف طريق، وهو مقرر في موضعه وما أورده عليه ابن الحاجب مبني على نفي التحسين ولاتعويل عليه.
سؤال(ع): وهل الواجب على المكلّف العلم بجواز التقليد أو الظن؟
الجواب: بل الواجب عليه العلم، ولا يكفي الظّن في ذلك إن أمكن إليه طريق، لأنّ الظّان يجوّز عكس ما ظنّه، ولا يأمن الخطأ فيما طريقه إليه الظن، فكيف يعدل إلى هذا مع إمكان برد اليقين وطمأنينة النفس بالقطع ؟ لكن الأقرب -والله أعلم- أنّ هذه المسألة وأكثر المسائل الأصولية لا تتسهل فيها الأدلة اليقينية، والتكليف بما لايمكن، لا يصدر عن الحكيم سبحانه وتعالى، وقد عرفت أن تجويز التقليد مختلف فيه، فمن قائلٍ بجوازه مطلقاً، ومن قائل بمنعه مطلقاً، ومن ذاهب إلى التفصيل، فاذا تأملت أدلتهم أطلعت على الراجح، ووجدت القطع فيها غير واضح.
سؤال(ع): وهل يجوز التقليد في جواز التقليد؟
الجواب: لا؛ فإنه لو جاز ذلك، لجاز أن يقلَّد الذاهبُ إلى جواز التقليد في مسائل أصول الدين، فيقلّد فيها وهو أمرٌ ممتنع، فعلى من يريد التقليد أن ينظر في جواز التقليد فيما يريد أن يقلِّد فيه، فإن علِمَهُ جائزاً بأدلته، كان له أن يقلّد، وإن علِمَه ممتنعاً أحجم عن التقليد ورجع إلى النظر المفيد.