قال عليه السلام : الجواب: أنه لافرق في وجوب اللطف بين أن يكون أصلياً أو زائداً، ومن فرق بينهما فعليه الدليل على الفَرْقِ ولا يجده، فإنما هذه العبارة عبارة على غير حقيقة اللطف.
إذا ثبت هذا، عدنا إلى جواب المقصود من المسألة، فنقول: اللطف على ضربين: لطفٌ من فعل الله، ولطفٌ من فعل المكلف، فالذي من فعل الله يجب فعله مقارناً للتكليف بالملطوف فيه، لأنه إزاحة لعلة المكلّف، واللطف الذي من فعل المكلّف يجب تقديم فعله على فعل الملطوف فيه، لأنه داعٍ إليه وحاثٌ عليه. هذا في الفعل، فأما في التكليف: فالتكليف بالملطوف فيه سابق على التكليف باللطف أو مقارنٌ له لأنّ التكليف بالملطوف فيه أصل في التكليف باللطف، إذ لولا التكليف بالملطوف فيه لم يحسن التكليف باللطف.
إذا تقرر هذا، فاللطف في مسألة الفناء هو في الحقيقة: العلم بالفناء، لا نفس الفناء، إذ لو كان نفس الفناء لم يحسن الفناء، لتأخره عن التكليف، والعلم بالفناء هو من فعل المكلف، إذ هو اكتسابي، لا ضروري، فالمكلف مكلفٌ بالعلم وهو ممكن له، وهو لطف له، فإن أخلّ به فمن جملة الواجبات التي يخل بها المكلفون، وإن فعله فمن جملة الواجبات التي يفعلها الموفقون، وصار الحال فيه كالحال في الثواب والعقاب في أن اللطف في الحقيقة هو العلم باستحقاقهما وبكونهما كائنين، لا نفس الثواب والعقاب.
سؤال(ع): الواجب والمندوب إذا استويا في الفعل والمشقة والموقع، هل يصح أن يستوي ثوابهما أو لا ؟ وما الوجه في الاستواء وعدمه؟ إذ الواجب وجب لدفع الضرر، والثواب في مقابلة التكليف، والتكليف فيهما سواء؟
الجواب: أن السؤال لايخلو عن اختلال، لأنَّه قال: استويا في الفعل، ما معنى استوائهما في الفعل؟ والكلام يشعر بأن للفعل وجهين يقعان عليه، ولازم لهما كالمشقة والموقع، وما الذي أراد بذلك هل استويا في كونهما فعلين؟ فهذا حكم، كل واجب، ومندوب، ومحظور، ومكروه، ومباح، أنها أفعال مستوية في كونها أفعالاً، أو استويا في الجنس، فقد يستوي في الجنسية الواجب والمحضور، كسجدةٍ لله، وسجدة للشيطان، وقال: إذ الواجب وجب لدفع الضرر، وهذا كلام ضعيف، والمعتمد: أن الواجب يجب لوجوه يقع عليها، فالواجبات العقلية وجه وجوبها وجوه تقع هي عليها، فهي واجبة بنفسها يعلم وجوبها لتلك الوجوه بالعقل، ولاتفتقر إلى توقيف سمعي ولاتصرُّفَ للشارع في إيجابها وعدمه، ولايتوقف العلم بوجوبها على مايرد منه من تعريف، كردّ الوديعة، وشكر المنعم، وقضاء الدين والواجبات الشرعية، فإنها وجبت لوجوه تقع عليها، وهي كونها مصالح وألطافاً في الواجبات العقلية، ولولا ذلك لما أوجبها الشارع ولم تُسَمّ شرعية، لأنّ الشرع أوجبها وكانت في نفسها غير واجبة، بل لأنّ العقل لاقوة له على معرفة وجه وجوبها، والشرع معرّف به لاغيره، ولهذه الإشارة تفصيل يفتقر إلى تطويل وهو مذكور في مواضعه من كتب الكلام.
وقوله: والثواب في مقابلة التكليف. إن أراد في مقابلة الوجوب، والإلزام فغير صحيح، فإن وجوبها وندبها يشتركان في الثواب، وإن أراد أن الثواب وجب للتكليف، على معنى أنَّ الله جعل الطاعة شاقة عسيرة على النفوس بخلق النفرة عنها، ولوشاء لجعلها سهلةً يسيرة بأنْ لايخلق عنها نفرة، فصحيح أن هذا هو الموجب، لأنه المستدعي للثواب، لكن العبارة غير مؤدية له، ثم نعود إلى المقصود من جواب المسائل، وهو أن نقول: أما استواء الواجب والمندوب في المشقة فلا مانع منه، بل قد يكون في المندوبات ماهو أشق من كثير من الواجبات بمسافات ومراحل، لكن ذلك لايستدعي الاستواء في الثواب ولايوجبه، وأما الموقع فعلى قواعدهم أن المندوب لايمكن مساواته للواجب في ذلك ولو ساواه لكان واجبا مثله ومن قواعدهم أن المندوب لايمكن مساواته للواجب في الثواب وأن قليل الواجب أعظم ثوابا من كثير المندوب، والله أعلم.
سؤال(ع): قال العلماء: لا يجوز خلوّ الزمان من قرشي صالحٍ للدعوة، إذ هو يؤدي إلى أن تخلو الأمة عن حكم شرعي هم مكلفون به، وهو خلاف الإجماع، وقالوا: يجوز خلوِّه من داعي مظهر للدعوة، بل الخلوّ موجودٌ، فهلاَّ كان تعطيل الأمة عن الصالح مثل خلوها عن الداعي وما الفرق بينهما؟
الجواب: أنَّه لايخلو كلام السؤال عن طرفٍ من الانضراب حيث قال: وهو خلاف الإجماع، وكان الأولى أن يقول: وفيه إجماعهم على الخطأ، وهو الإخلال بالواجب وذلك لايجوز، لأنهم معصومون عن الإجماع على فعل، أوترك محرم، وأما معنى السؤال، فمعنى حسنٌ ونزيده تلخيصاً، فنقول: إذا قلتم أنه يجب على الأمة الأحكام المتعلقة بالإمام ولايتم ذلك إلا بوجدان الصالح للإمامة الجامع لشروطها وقد وقع التكليف بالنصب مطلقاً فما توقف عليه وجب كوجوبه، كما في الأمر بأداء الصلاة مطلقاً، فإنه استلزم وجوب ماتتوقف صحتها عليه، فثبت وجوب تحصيل الصلاحية للإمامة على الأمة، فلايجوز الإخلال بهذه الفريضة منهم جميعاً، لأنّ في اجتماعهم على الخطأ وهو الإخلال بما تجب معه، فهذا بعينه يرد عليكم في خلو الزمان عن وجدان الإمام لأنّ نفوذ تلك الأحكام يتوقف عليه، بل هو الأمر الذي تُناط به الأحكام ويقع به لها التمام، لأنّ مجرد الصلاحية لاتكفي في ذلك، فكيف تُخِلُّ الأمة بذلك ويجتمعون على الإخلال به، وهو أظهر في الوجوب، لأنّ توقف الأحكام به عليه، وإنَّما هو المتوقف على حصول الصلاحية، فبتلك الأحكام يتوقف عليه بواسطة، وعلى النصب بغير واسطة، فإن أجيب بأن تحصيل الصلاحية مقدور للأمة فلا يجوز لهم الإخلال به، وما لايجوز لهم لايجمعون عليه لعصمتهم عن ذلك، بخلاف قيام الإمام فإنه يتوقف على دعوته، فإذا امتنع أن يدعو فهو المخل بالواجب دون غيره، وإن فرض صلاحية جماعة فكذلك هم المخلون بالواجب دون سائر الأمة، إذ لايمكن تأديتهم لذلك الواجب، فلايجب عليهم، فالمُخِلَ بالواجب هو واحدٌ إن لم يصلح غيره وإن صلح جماعة فهم دون سائر الأمة، فهذا جواب لابأس به، لكن مثله يتأتى في الطرف الآخر وهو أن يقال: ليس المتمكن من تحصيل الصلاحية للإمامة إلا أهل منصبها وهم الفاطميون الجامعون للعقل وكمال الخلقة والسلامة من الآفات وهم القليل من الأمة، وغيرهم وإن اكتسب شرائط الإمامة الكسبية فهو عارٍ عن شرائطها الخلقية فلاثمرة لاكتسابه لتلك، فإذا لم يوجد في الأمة من يصلح فالمخل بهذه الفريضة البعض منهم، والبعض غير معصومين عن الخطأ، فإن قيل ذلك وإن لم يستلزم إجماع الأمة على الخطأ فهو يستلزم إجماع العترة عليه، لأنَّهم الفاطميون، فإذا لم يوجد فيهم الصالح فقد أخلوا بتحصيله وأجمعوا على هذا الإخلال وجملتهم معصومون عن الخطأ كجملة الأمة.
قلنا: وكذلك في ذلك الطرف إذا لم يَدْعُ منهم داعٍ مع وجود الصالح منهم فقد أخلوا بواجب وصاروا بجملتهم تاركين له فما لزم في ذلك فليلزم هنا، والقول الفصل والجد غير الهزل أنه لا دليل() قاطع ولابرهان ساطع يدل على عدم جواز خلوّ الأمة عن الصالح للإمامة، كما أنَّه لا دليل على عدم جواز خلوهم عن المتأهل لتكاليفها الخاصة والعامة، وأن من نصّ على ذلك وذكره من الأصحاب بناه على دلالة ظنية ومقالة وهمية فالحق أحق أن يتبع، والله يحب الإنصاف وقد ضمَّنا شرحنا على المنهاج في هذه المسألة وغيرها ماهو شافٍ.
سؤال(ع): ما يقول عليه السلام في تعيين الدليل المفيد للقطع بحجية الإجماع مع ورود التشكيكات على كل واحد من أدلته المذكورة؟ وهل يوجد غيرها؟ إن كان، فماهو؟ وإن لم يكن، فما الدليل القطعي على جواز الأخذ بالظواهر غيره؟