قال عليه السلام : الجواب: أن الفناء يكون قبل البعث، لأنه لو كان بعد البعث للزم الإحياء أربع مرات، على قول من يثبت الإحياء في القبر، وهذا لايعلم قائل به، ولا وجد عليه دليل، إذا ثبت هذا وهو أن الفناء قبل البعث فالإعادة بعد الفناء تكون إلى الحالة التي كان العالم عليها قبل الفناء، ويكون البعث من القبور، فكذلك غيره من الأمور، فما ورد يكون على ماورد، إذ قد عاد كل فانٍ إلى حالته التي كان عليها.
الخامسة(ع): قال السائل: قوله تعالى في قصة يونس: {فلولا أنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِيْنَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَومِِ يُبْعَثُوْنَ} [الصافات:143، 144] ظاهره لبث يونس صلوات الله عليه إلى يوم البعث وأنه لايفنى. هذا قول السائل.
قال عليه السلام : الجواب: أنَّه تعالى قال: {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، ولم يقل: إلى حالة البعث، واليوم يوم طويل مشتمل على البعث والفناء وغيره من أمور القيامة، من الإعادة، ونفخات الصور، ونسف الجبال، وطي السماء ومورها، وكون الناس كالفراش، وتبديل الأرض، غير الأرض والحساب، وغير ذلك مما جاء فيه، ويوم كذا ويوم كذا، وكلها قريب بيوم الكتاب العزيز، والأيام المذكورة التي وصفها هي ذلك اليوم الموعود المشتمل على ما ذكره وغيره، ثم أن النظر في تحقيق اليوم: ما هو؟ وإلى ما المرجع به؟ فيه كلام يطول يحتمله النظر.
السادسة(ع): قال السائل: مامعنى كلام أبي هاشم: (لولا الفناء لم يحسن التكليف) جعل العلة في ذلك اقتران الإثابة؟
قال عليه السلام : الجواب: أن تعليل الشيخين أبي علي وأبي هاشم متفق في المعنى وإن اختلف في العبارة وتلخيصه ومعناه مجموع أمرين:
أحدهما: أن الفناء لطف للمكلف في أن يفعل ماكلف للوجه الذي كلف، لاللثواب، وتعليله: أن المكلف إذا علم تأخير الثواب وتراخيه وتقدم الفناء عليه، دعاه ذلك إلى أن يفعل الواجب لوجوبه لاللثواب، وإذا كان الثواب معجلاً متقدماً ولافناء، يكون فعل المكلف الواجب للثواب لا للوجوب.
الأمر الثاني: أنَّ الثواب والعقاب إذا كانا موعوداً بهما عقيب ذات التكليف، ولافناء يكون، كان المكلف ملجأ مدفوعاً إلى فعل ماكُلِّف ولا إختيار له في الترك، لقوة الداعي إلى ترك المقبحات وجوباً، ويكون كالممنوع من الفعل، لقوة الصارف، فيتعطل() التكليف، لعدم الاختيار وعدم تردد الداعي، ويصير الحال في ذلك كمن وعد على عملٍ أُمر به يسير المشقة بأموال عظيمة وممالك جمة في غد، وتُوُعِّدَ على تركه بعقوبة لا يحاط بوصفها في عذابها، والواعد والمتوعد ممن يعلم صدقه وقدرته، فإن المأمور يكون ملجأ إلى الفعل لامحالة هذا تلخيص كلام الشيخين فإن قال السائل: وطول المدة وتراخيها بالموت وسقوط التكليف يقوم مقام الفناء.
قلنا: من حق اللطف أن يفعل ويكون على أبلغ الوجوه وأقصاها الفناء، والإعدام أبلغ وأقطع للرجاء وأبعد من الإلجاء، والفناء مقدور لله تعالى فيفعله ويجب عليه على هذا الحد.
السابعة(ع): قال السائل: على قول أبي هاشم: (أن الفناء ضدٌ للعالَمِ كلّه لأنّ لكلّ جوهرٍ فناء)، كما يقوله أبو علي، ما تأويل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خلق الجنة والنار ((وأنه اطلع على أهل النار)) ...إلى آخر كلام السائل؟
قال عليه السلام : الجواب: أن أبا هاشم قطع على أن الجنة والنار لما تخلقا، وإنما تخلقان بعد الإعادة، وقد قال تعالى: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد:35] فعلى هذا نتأول الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، على أن ذلك سيكون على الحد الذي أخبر به، وإنما أخبر باللفظ الدال على الوقوع في الحال لأجل أنه أمر مقطوع به، فكأنه قد وقع، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((رأيت عمرو بن لحي...)) بمعنى: علمت، والذي الجأ إلى التأويل: هو الدليل القاطع على الفناء، على الحد الذي ذكره أبو هاشم، ويمكن ويجوز أيضاً أن نتأول الأخبار على خلق جنة غير جنة الخلد، ونارٌ غير نارِ الجحيم الدائمة.