سؤال(ح): ما مذهب مولانا في الإمامة؟ عقلية، أم شرعية؟ ظنية أم قطعية؟
الجواب: عندنا أنَّها شرعية، لأنَّها إنما تؤخذ من الأدلة السمعية، ولم يتقرّر لدينا استفادتها من الأدلة العقلية.
وهل هي قطعية أو ظنية؟ الذي نذهب إليه في ذلك: ما ذهب إليه حي والدنا الإمام الهادي إلى الحق عليه السلام ، فقد أتى في ذلك بكلام بديع آنق من زهر الربيع، ويزري بما حبّره البديع، وله في ذلك مصنفات واسعة ومقالات قريبة المنتول، أنهارها نابعة وثمارها يانعة، وشموسها وأقمارها طالعة، وأنوارها متلألئة ساطعة، ولامحيص عما ذكره ولامناص ولا فكاك ولاخلاص().
سؤال(ح): ومن المخاطب بذلك؟ على الإمام أن يقوم، أم على الأمة أن ينصبوه؟ وكلام أهل المذهب وغيرهم محتمل؟
الجواب: أما مَنْ قال بالعقد والاختيار، وهم جمهور الأمة وتابعهم على ذلك الإمام يحي عليه السلام ، فإنه يجعل الواجب على الأمة ليس إلا، وأما إذا لم تكن طريق الإمامة إلا الدعوة فالواجب على الإمام لا عليهم، قال بعضهم: ولايبعد أن يعد من الواجب على الأمة حثه على القيام وإعانته عند أهل هذا القول، لأنَّه قد يفهم من كلامهم الحكم بالوجوب على الأمة، وأمَّا على ماذكره الفقيه حميد فليس الواجب إلا على الإمام فقط، وإنما يجب عليهم الإجابة والسمع والطاعة.
سؤال(ح): وبعد فاستدلالهم بإجماع الصحابة على أن الحد إلى الإمام والتكليف به مستمر معترضٌ بأنه إما أن يكون الأمر بالحد مشروطاً بوجود الإمام فحينئذٍ لايجب نصب الإمام لأجل إقامة الحد، إذ تحصيل شرط الواجب ليجب لايجب، كما في الزكاة وغيرها، وأما ألايكون مشروطاً بذلك فظاهر؟
الجواب: هذا الدليل للقاسم بن إبراهيم عليه السلام ، وتبعه الشيخان() فيه واعترضه الشيخ أبو عبد الله بما ذكره السائل من أنه إن جعل الإمام شرطاً في الوجوب كالنصاب في الزكاة، فلا يجب تحصيل الشرط الذي هذا حاله، بخلاف شرط الأداء، كالوضوء، لأن الإجماع وقع على أن الوضوء شرط إداء فيجب تحصيله، ولا إجماع على أن الإمام شرط إداء في الحد.
وقد أجيب بجوابات منها: أن الأمر بالحدود وقع مطلقا غير مقيد، كالأمر بالصلاة، فيجب تحصيل الشرط، وليس في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أربعة إلى الولاة...)) () ما يقضي بأن الولاة شرط وجوب، بل فيه كالتصريح بأنهم شرط أداء، لأنه قال: إلى الولاة، أي إقامتها، بعد وجوبها بحصول أسبابها إليهم، لا إلى آحاد الناس، وإذا وجبت كذلك ولم يحسن إقامتها إلا على وجه مخصوص داخل تحت مقدورنا، وجب علينا تحصيله لنقوم بما قد وجب علينا وجوباً مطلقاً.
قال والدنا عليه السلام : وهذا الجواب لايستغنى عن إعادة النظر فيه وتأمل ما اشتمل عليه من تعليله وتوجيهه، وأوضح من ذلك الاعتراض، أن يعترض ذلك الاستدلال بمنع الإجماع، وكيف يُدَّعَى الإجماع مع أن أبا حنيفة لايشترط الإمام في إقامة الحدود، ويجعل إقامتها إلى الأمراء وأهل الشوكة وإن لم يكن ثَمَّ إمام، والمخالفون في وجوب الإمامة وهم الحشوية ومن قال بقولهم يمنعون من كون تلك الأمور مشروطة بالإمام ومقصورة عليه، ومن كون أخذ الفيء والصدقات وإقامة الحدود والجمعات مقصور على الإمام، خلاف ظاهر مشهور مبيَّنٌ في مواضعه من كتب الفروع، فكيف يحتج بالإجماع هنا؟
وأما الخبر المذكور فآحادي ولا تصريح فيه بالاشتراط، وما المانع من أن يكون المراد إليهم مع وجودهم؟ ولايصح أن يتركب على مثله دليل يدعى كونه قطعياً.