سؤال(ح): قد ذكر أصحابنا رحمهم الله أن عقاب أيسر كفر أشد من عقاب أعظم فسق، بحيث أن عقاب من استحل معصية واحدة، ولم يرتكبها ولاغيرها من المعاصي قط أشدّ من عقاب من ارتكب المعاصي العظيمة طول عمره ومات مصراً على ذلك، فما الدليل على صحة هذه المقالة أوما مذهب الإمام عليه السلام  فيها؟

الجواب: المشهور من كلام أصحابنا وأكثر المعتزلة ما ذكره السائل، واستدلوا على ذلك بأن للكفر أحكاماً غليظة وتفننوا في الاستدلال ، واعترض هذا بعض المتأخرين بأن هذه الأحكام إنما شُرعت لكونها مصالح، ولاتدل على كثرة عقاب ولا على قلته... إلى آخر ما ذكره المعترض فيطالع في الكلام على التكفير، ولعلّ صوابه في الأسماء والأحكام، والإحباط، فهو مستوفى ثَمَّ، ولا يتعلق بذكر مذهبنا غرض، فلا مجال هنا للتقليد، وكذا في غير هذا الموضع، ولهذا لم نذكره غالبا.

سؤال(ح): وهل يحسن من الله تكليف من لطفه قبيح؟

الجواب: قال أبو هاشم والقاضي: لا يكلف بذلك العقل الملطوف فيه، وأحد قولي أبي هاشم، وهو القديم، بل يجوز تكليفه ويكون كمَّن لا لطف له في مقدور الله، وقال أبو علي: أنه يستحيل كون القبيح داعياً إلى الحسن ولايصح ذلك أصلاً.

سؤال(ح): وهل يسقط عوض المجني عليه بإبرائه الجاني؟

الجواب: قال أكثر المعتزلة: لا يسقط بالإبراء، إذ ليس عالما بكميّته ولا إليه استيفاؤه، بل إلى الله، وكذا ليس إليه إسقاطه، وصار صاحبه بالنسبة إليه كالصبي، وقال أبو الحسين البصري بل يسقط به كالأروش، وهي تسقط به اتفاقاً.

سؤال(ح): هل يعرف بالعقل وجوب العوض كالثواب؟

الجواب: الظاهر أنَّه يعرف وجوبه بالعقل، إذ لولم يجب العوض هنا لكان إنزال الله للألم قبيحاً، وهو سبحانه يتعالى عن القبيح.

سؤال(ح): ومن مذهب أهل العدل: أنه لايجوز أن يفعل الله الفعل لا لغرض، لأنّ ذلك عبث وهو قبيح، فورد على ذلك سؤال، وهو: إن قيل: ما تعنون بقولكم عبث؟ أتعنون به الفعل لا لغرض؟ فكأنّكم قلتم: لا يجوز منه الفعل لا لغرض، لأنه لا لغرض، فهذه إعادة للدعوى بعبارةٍ أخرى، والخصم يلتزم ذلك؟ أم تعنون به معنى آخر فاذكروه، لنتكلم عليه؟

والجواب: كان الأحسن أن يأتي السائل بدل قوله: (فهذه إعادة للدعوى) بعبارة أخرى، فلم يصح، لأنه تعليل للشيء بنفسه، ومن شرط العلة أن تكون غير المعلول، والذي يحل ذلك الإشكال: هو أنَّ العلة القبح، وإنما ذكروا أصل القبح وهو العبث، ولهذا قالوا في التعليل لأنّ ذلك عبث وهو قبيح، ولو كان التعليل بمجرد العبث لم يقولوا: وهو قبيح، فما جاءوا بالقبيح إلا لأنه العلة في الحقيقة، وذكر العبث لكونه سبب القبح فهو في قوة: لايجوز أن يفعل الله الفعل لالغرض، لأنّ ذلك قبيح، والله تعالى لايفعل القبيح فانحلّ الإشكال وارتفع السؤال.

312 / 331
ع
En
A+
A-