الجواب: أن يقال المراد بقولهم: (لاتقليد في علمي) أي في حكم العلمي أي خوطب المكلف بوجوب وصوله إلى العلم به، وهذا كمسائل أصول الدين وفروعه، وأصول الشرائع، وأما العمليات فالمكلف مخاطب بالعمل بها ويكفيه() من معرفة دليلها الظن والاجتهاد، ولذا يجوز التقليد فيها لأنه يؤخذ في أدلتها بالظن وتقليد المجتهد يحصل به الظن للمقلِّد، وإذا كان شيء منها قطعياً بحيث يحصل من دليله العلم كغسل الوجه، فليس ذلك لكونه شرطاً فيه، بل ما من عملي قطعي إلا وهو يحكم بأنه لو لم يرد دليله القطعي لكان يكفي فيه الظن والاجتهاد، فلذا يجوز التقليد فيه، لأنه قد حصل للمقلِّد القَدْر الموجب للعمل وهو الظن، وإن كان في نفس الأمر مما يوصل فيه إلى العلم، بخلاف العلمي فإن الوصول فيه إلى العلم واجبٌ ولا يجوز التقليد فيه، لأنّ التقليد لايحصّل إلا الظن، فالواجب فيه العلم، وغسل الوجه عملي وترتبه على العلمي ترتب دليل يكفي فيه الظن، والموالاة مترتبة على حكم آخر لا يجوز التقليد فيه، فكما لا يجوز التقليد في كفر زيد مثلاً، لا يجوز التقليد في موالاته ومعاداته، لأنها تقتضي ذلك، فأما لمن قد عَرف كفرَه وتيَقَّنَه، فيجوز له التقليد في تحريم موالاته ومعاداته مثلا، وكذلك لا يجوز تقليد الهادي في الحكم بنجاسة زيد المجبري، لأنّ هذا تقليد في كفر المجبري، أما من قد عرف وتيقن كفر المجبرة، فيجوز له تقليد الهادي في نجاستهم، لأنّ هذا كالتقليد في نجاسة الكافر مطلقا، وذلك عملي خالص. (وهذا التذييل من حيِّ مولانا رحمه الله).
قوله في الجواب: (المراد بقولهم لاتقليد في علمي أي في حكم علمي...الخ) صوابه في حكم عملي، إن أراد به ما في السؤال من أنه لاتقليد في عملي يترتب على علمي إلا أن نضيفه إلى العلم للملابسة بينهما إذ العمل مترتب على العلم على أنه لايبعد عدم قصده ذلك، وإنما أتى به في مقدم الجواب لابتناء الجواب عليه فليس بمعزل عن الصواب .
قوله: (أصول الدين وفروعه)، يقال: ما أردت بفروعه؟ هل مثل الشفاعة للمؤمنين، إذ هي متفرعة على ثبوت الشفاعة؟ أو المسائل التي اتفق العلم فيها، وكان الأمارة توجب مقتضاها، مما ألصق بأ صول الدين وجعلناها له فروعاً، للملابسة بينهما ؟ أو أصول الفقه ومسائله، فإنها إنما ثبتت لمن قد عرف الصانع وصفاته وصدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به؟ الأول: ممنوع، إذ ذاك ليس بفرع إلا على ثبوت الشفاعة، وكذا الثاني، إذا لم يعطف عليه أصول الشرائع إذ لامغايره، والثالث: لمْ يجرِِ به إصطلاح على أنه لا مُشاحَّةَ، إذا فهم المقصود.
قوله: (وترتبه على العلمي ترتب دليل). لو قال مكانه: (لكنه إتفق في دليله العلم، والترتب والشرط فيه متيقنان) لكان أحسن، إذ معنى ترتب هذا على غيره لايوجد إلا بوجوده، وإذا انتفى ذلك الغير إنتفى هذا، وليس نحو غسل الوجه كذلك فإنه إذا انتفى في دليله العلم أُجتُزِيَ بالظن، كما ذلك مقرر، على أنه لا مخلص من الإشكال ولا فتح للإقفال إلا بأن يقال: المراد بالترتب هو ترتب حكم عملي على حكم علمي فإن المعاداة حكم عملي مترتب على حكم، وهو كونه كافراً أو فاسقاً، وهما علميان لا يقبل فيهما غير ما يفيد العلم، وذلك منتفٍ في نحو غسل الوجه فافترقا، فلا يلزم أن يثبت في أحدهما ماثبت في الآخر لذلك، وللَّه درَّ المجيب لقد رمى بسهمٍ مصيب ولم يعزب عنه هذا التقريب.
قوله: (فأما لمن قد عرف كفره، وتيقنه، فيجوز له التقليد في تحريم موالاته ومعاداته...الخ).
يقال: أماَّ أولاً: فإنَّ هذا نقض لما ذكرته قُبيله، حيث قلتَ: فكما لايجوز التقليد في كفر زيد مثلا لايجوز التقليد في موالاته ومعاداته.
وأما ثانياً: فإن ذلك هو زبدة المسألة وخلاصتها، والذي قد نصوا على تحريم التقليد فيه، ومساق جوابك، أوله أيضاً فيه، قال البكري() في شرح المقدمة ما لفظه: والمعاداة لايجوز التقليد فيها ولايكفي في العمل بها إلا العلم، لأنها ترتب على الكفر والفسق، وهما مما لايجوز التقليد فيه، فكذا ماترتب عليهما، هكذا ذكر العلماء. انتهى.
سؤال(ح): إذا كان منام الأنبياء وحياً كما هو الظاهر ولذلك بادر إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذبح ولده، فكيف يستقيم ماذكره ابن هشام وغيره أنه لمّا عرج به صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء أخبره الله بأنه قد فرض على أمته خمسين صلاة، فأخبر نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم موسى عليه السلام ، فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لاتطيق ذلك، فرجع إليه وخفَّف، وهو يرجع صلى الله عليه وآله وسلم مرة بعد مرة، حتى اقتصر علىهذه الخمس الصلوات، فإنه يلزم من هذا البداء، لأنه لم يقع التمكن، وإن المسلمين في تلك الحال لم يعلموا بذلك فضلا عن أن يمكنهم العمل؟ .
الجواب: على ما اعتمد عليه بعض الأصحاب وعوَّل، حيث تشبث بذلك من أجاز النسخ قبل الإمكان وتعلقوا بذلك واحتجوا به في ذلك الشأن من وجوه أربعة:
أحدها: أن في رواية الحديث كذلك نسبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى التلكؤ في الإقدام لما أمره الله به.