سؤال (ح): ما دليل مَنْ يمنع ثبوت الإجماع على وجوب العمل بخبر الواحد فقد ذهب إلى ذلك عدَّة من فحول العلماء ومحقِّـقِيهم وحُذَّاقهم من أهل البيت وغيرهم حتى رُوِيَ عن المنصور استحالة ثبوت إجماع أهل البيت، فكيف بغيرهم، وذلك مذهبهم، إذا كان كذلك، فما الدليل على وجوب العمل، فإنهم لا يذكرون إلا الإجماع، ولا يصلح دليلاً عند مَنْ منعه، على أنا لو سلمنا ثبوته، فلا نسلّم أنه قطعي كما ذكروه لاحتمال أن تكون المسألة اجتهادية، والسكوت فيها لأنّ كل مجتهد مصيب، ولو سلمنا، فلم يتواتر إلينا ويصح لنا إلا دليل أبي الحسين()، وقد أبطله ابن الحاجب، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم  كان ينفذ الآحاد إلى النواحي لتنفيذ الأحكام، وهو معترض أيضاً بأن النزاع في وجوب العمل وليس فيه مايدل فيه؟

الجواب: أنا لا نمنع الإجماع ولا الاستدلال  به، وإنما نمنع أن يكون قطعيا وأن يفيد القطع في مسألة.

قولك: لايصلح دليلاً علىوجوب العمل بخبر الواحد، إذ يشترط القطع في مسائل الأصول، ولادليل غيره، فما المستند وما يرجع إليه في ذلك ويُعتمد؟

قلنا: الحق أنَّه لايشترط القطع في الأصول وتأمل أدلة العلماء فيها، تجد ما تقرر لك بهذه القاعدة، فصح وصلح دليلاً على ذلك، وتبين أنه إلى وجوب العمل بخبر الواحد من أصلح المسالك، فإنما نقل فيه يفيد الظن القوي بلا مرية ولا شك ولافرية، على ماهو مقرر في مواضعه، سلمنا فالدليل العقلي الذي حرره الحبر أبو الحسين في الغاية القصوى في ذلك، فإنه يفيد اليقين لمَنْ نظر بعين التحقيق، وتلك التشكيكات المصنوعة عليه زائغة عن سواء الطريق، فلا ينبغي أن ينظر إليها ولايعول عليها.

سؤال(ح): قالوا يجوز نقل الحديث بالمعنى للعارف وأطلقوا الكلام، فإنا نعلم أنا إذا كنا متعبدين باللفظ دون المعنى كالأدعية المطلقة، كالأذكار في الصلاة وفي الصباح والمساء، وسائر الأوقات، لم يجز ذلك كما في القرآن؟

الجواب: ما ثبت فيه تعبد لم يعتبر فيه لفظه()، وذلك منصوص عليه ومنظور إليه، وإن ثبت عن أحد فيما هو كذلك نقْلُه بالمعنى، فلا يضرّ ذلك، وقولك: أنه كالقرآن. قلنا: قد أجاز بعضهم نقل القرآن بالمعنى، بل مذهب أبي حنيفة، أن قراءته بالمعنى في الصلاة المفروضة مجزية مطلقاً.

سؤال(ح): قالوا أن العام المخصّص مجازٌ في الباقي، وخالفهم أبو الحسين فيما خصص بما لا يستقل من استثناء أو نحوه، ودليله: لو كان مالا يستقل يوجب تجوزاً في نحو: الرجال المسلمون، وأكرِمْ بني تميم إذا دخلوا، لكان نحو: مسلمون، للجماعة مجازاً، أو نحو: المسلم، للجنس، أو العهد مجازاً ...الخ، وأجابوا: أن (الواو) في (مسلمون) كألف (ضارب)، وواو مضروب، والألف واللام في (المسلم)، وإن كان كله حرفاً أو إسماً فالمجموع الدال هو الاستثناء، وسيأتي. هذا لفظ مختصر المنتهى.

نعم: ولِقائلٍ أن يقول: أما (ألف) ضارب و(واو) مضروب فلا تتم الكلمة إلا بها، بخلاف (واو) مسلمون، فإنه مع حذفها يمكن النطق بالمفرد، وأيضا فلا فرق في أن المجموع الدال في قولنا: الرجال المسلمون،  والمسلم للجنس، أو للعهد.

الجواب: أن (واو) مسلمون أيضاً لاتتم الكلمة إلا به، كألف (ضارب) وواو (مضروب).

وقولك: أنَّه يمكن النطق بالمفرد من (مسلمون) مع حذف واوه، قلنا: ما أردت بالإمكان، هل مع بقاء المعنى الموضوع له (مسلمون)، فغير صحيح، أو معَ تغيره، فلا يصلح فارقاً، إذ (ضارب) و(مضروب) كذلك، لو قلت: ضرب، لأمكن النطق بالأصول مع حذف الزيادة، وتغير الحركات لا يصلح فارقاً فإنه لايشترط التساوي بين المقيس والمقيس عليه من كل وجه، بل لا بدّ بينهما من إفتراقٍ مّا، وبأن الفرق بين المسلم والرجال المسلمون واضح لا يخفى على الندس الألمعي، وذلك أن دلالة المسلمون منفكة عن دلالة الرجال، فأحدهما يدل على الجنس ليس إلا، والآخر يدل على البعض منه فحَسْبْ، فما ذلك إلا بمثابة رجلين يحمل كل منهما حجراً غير حجر الآخر، ولو كان الرجال كالزاي من (زيد)، وكان المجموع الدال، لكان المعنى بمثابة حجر كبير لا يقله إلا جماعة ولا يستقل أحدهما بحمل جزء منه، وليس كذلك، بخلاف المسلم فإنه مثل ذلك، فمجموعه دال دلالة واحدة، فالمفيد للجنس والقدر مجموعه كما يفيد (الزاي، والياء والدال)، من زيد تغيير هذا الشخص، بمجموعها، ولإستقلال بعضها في الإفادة، لأنّ مسلماً يفيد الجنسية، واللام تفيد البعضية، وهذا بناءاً من ابن الحاجب وتابعيه، على أن واضع اللغة وضعه كذلك، فافترقا، ولو نقض السائل كلامه بأن دلالة اللام منفكة عن دلالة مادخلت عليه، كما أن دلالة (المسلمون) منفكة عن دلالة الرجال كان أوقع.

301 / 331
ع
En
A+
A-