الثاني: أن الواجبات التي لايهتدي العقل إليها، هل أوجبها الله تعالى لمصالح فيها ، وحرّم ما حرّم لمفاسد تنشأ منها؟
قالت العدلية: مقتضى الحكمة أن الله تعالى لم يخص مثل الصلاة ونحوها بالوجوب إلاّلِمَا عَلِمَ فيها من المصلحة، ولا خصّ ماخصّه بالتحريم إلاّ لِمَا علمه فيه من المفسدة، وإلاّ فما المخصّصْ، وإيجابها لا لمصلحة عبث، وقالت الاشعرية: لا غرض لله تعالى في ذلك، وبنوه على نفي الحكمة وأن هذه الواجبات لم يدعُ إلى إيجابها حصول مصلحة فيها، ولا دعى إلى تحريم المحرمات حصول مفسدة فيها، وإنما كلفنا بها لمجرد الأمر والنهي من غير إعتبار وجهٍ آخر، فهذا تحقيق أمر هذه المسألة، ومن تعاطى مذهب العدلية فزعم أن الله ما أوجب ولا كلف ولاحرَّم، فقد رد ما هو معلوم من الدين وسلك سبيل المعتدين، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
سؤال(ع): إذا قالت المرأة: استحلّت أباها، أو هي يهودية؟
الجواب: إن نطقت بذلك لا على جهة اليمين بل على صفة الإخبار، فكـفرٌ وردّةٌ، وإن أخرجته مخرج اليمين كأن تقول: هي يهودية لا فعلت كذا أو نحو ذلك، فليس بكفر ولا رِدة، وقد بيّنا ذلك في مواضع كثيرة وشرحناه شرحاً مستوفى في رسالاتٍ محبّرة، ولا مزيد، على ضعف القول بأنه ردة وكفر، وهو كلام لا ينبغي أن يلتفت اليه سواء حنث أم لم يحنث.
سؤال(ع): هل يجوز التعبد بالأقاويل المختلفة لأنه لا يمتنع أن يكون في ذلك مصالح للعباد؟
الجواب: لعلّه أراد بالأقاويل المذاهب، ولا مانع من ذلك فيجوز.
سؤال(ع): قال ابن الحاجب(): في المسألة التي اختار فيها أنه يصح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته، ومما استدل به على صحة ذلك قوله: لو لم يصح لم يعلم شرط وقوع تكليف، لأنه بعده ومعه ينقطع، وقبله لا يعلم، فإن فرضه متسعى فرضناه زمناً، زمناً قال عضدالدين: معناه وتردد في كل جزءٍ فإنه مع الفعل فيه أو بعده منقطع، وبعد الفعل يجوز الانتفاء بصفة المكلف في الجزء الآخر، فلا يأثم بالترك، فلا تكليف ، وأمّا بطلان اللازم فبالضرورة، وهذا في غاية الإشكال، لأنّ هذا بناءً منهم على أنَّ عدم الإثم يلزم منه عدم التكليف، وهو خلاف ما قرره المصنف في مسألة الموّسع فإنه جعل المكلف مخيراً بين التعجيل والتأخير، فما المخلص عن هذا الإشكال؟
الجواب: بين واضح قريب المتنوّل وهو: أنَّهم إنما حكموا في تلك المسألة بأن عدم الإثم لايستلزم عدم التكليف، حيث قدروا تجرئة الموسع وفرضوه زمانا زمِنا فقط، وهو لذلك الفرض والتقدير أشبه شيء بالمضيق، بل له حكم المضيق، ولاشك أن عدم الإثم فيه يستلزم عدم التكليف، فلا تثبت له خاصية الموسع وهو ثبوت التكليف في بعض الأوقات مع عدم الإثم حيث تركه فيه، فأين التنافر والتناقض؟ وأين التباين والتعارض، إذا كان كلام ابن الحاجب في موسع الواجب من غير نظر إلى ذلك الفرض والتقدير؟ وكلامه في تلك المسألة مع النظر إليهما، ومثل ذلك لا يشتبه على اليقظ النبيه ولا يفتقر إلى كثرة إيضاح وتنبيه، فارتفع الإشكال وانحل وتوضح الأسئلة التالية من أصول الفقه إلى ص388، النقض له والحلّ.
سؤال(ح): ظاهر كلام أهل الأصول أن المعتبر في الإجماع وانعقاده حجة إجماع أهل العصر فلا يعتبر بمن مضى من الأمة إلا إذا ظهر فيما أجمعوا عليه خلافٌ مستقرٌ من العصر الأول، فإنه لايكون حجة وقد يقال، لابدّ من تحقق موافقة من مضى لأنّ من وجد فهو من الأمة، ولاشكّ أن الماضي ظاهر الدخول، بخلاف من لم يأت وإذا كان كذلك، فَلِمْ لا يعتبر؟ فإن الأدلة الدالة على حجية الإجماع دلّت على اعتبار كلّ الأمة، فليس الموت مانعاً من الاعتبار، ولذا أجازوا تقليد الميت ومنعوا اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول عند الجمهور والمحققين، وكذا لو اتفق أهل العصر الأول، إلا واحداً أو إثنين، ثم مات هذا المخالف، أعتبر خلافه ولم يكن اتفاق من سواه إجماعاً قطعياً، لأنهم ليسوا كل الأمة كما هو المذكور ولايمكن دفع هذا بأنه لو اعتبر من مات لم يكن إجماعا، لأنّ هذا غير مسلم.
الجواب: أنَّه إنما لم يقدح في إجماع قول من مضى من الأمة، حيث لم يستقر خلافه، لأنّ ما لم يستقر عليه رأي فليس قولاً لأحدٍ عرفاً، لا لأنّ القول بموت قائله، ولهذا أُعتبر حيث كان خلافه مستقراً، وذلك واضح قريب لايعزب على الندس الأريب.