الجواب: أن ذلك مِمَّا لايعلم إلاّ بأن يُطلع عليه علاّم الغيوب جل وعز، ولا نعلم من الآثار مايدل على ذلك، ولامانع عقلي ولاسمعي مِن أن يبعثه الله على صفته في خلق الآلتين، وهو مقتضى قوله تعالى: {كما بَدَأنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نعيدُه} ولا من أن يعيده على ما يقتضيه حكم الشرع في كونه رجلاً أو أنثى، وإذا كان مشكلاً علينا فقد قيل أنه جنسٌ ثالث، وقيل: بل أحدهما في علم الله، وإنما عرض اللبس لنا فعلى هذا القول لايبعد أن يبعث بصفة ماهو عليه في نفس الأمر، والله أعلم .
سؤال(ع): الذي يموت مُصراً على المعاصي الكبائر فلا شك في أنه يدخل جهنم خالداً فيها فهل يعذب في قبره عذاباً مستمراً وفي وقتٍ دون وقت؟ ومتى أراد الله تعذيبه ردّ عليه روحه إلا أن ذلك ينافي كلام الله:{ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} [الزخرف:75] وهل الجسم يحس الألم أو الروح فقط؟
الجواب: أن عذاب القبر مختلفٌ فيه، ومن يقول به لايقطع بإستمراره، ولابوقت له معين، ولا شكَّ أنه غير مستمر وقوله تعالى: {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ...} القصد عذاب النار الواقع في الآخرة والمحشر، والعذاب للجسم بعد إعادة الحياة فيه ولامعنى لتعذيب الروح عندنا وعند أصحابنا، لأنَّهم لايثبتون الروح، ولايقولون بالإنسان غير هذا الشخص، ولغيرهم في الروح مذاهب ذِكرُها يطول، ويفتقر إلى أبواب وفصول لا فائدة في ذكره وشرحه، وهو مبسوط في مواضعه.
وبلغه أنَّ لبعض المتدرسين خوضاً في مسألة التكليف ووجوب الواجبات ونحو ذلك بجهل وعدم بصيرة، وسئل(ع): أن يملي في ذلك كلاماً، فأملاه حال استعجال؟ ولفظ ما أملاه عليه السلام :
بلغ أنَّها جرت مراجعة في أمر التكليف ووجوب الواجبات وهي التي أوجبها الله تعالى، إذ لا توصف بذلك، لوجوبها في نفسها وهذه أمور كان عن الخوض فيها مندوحة، إذ لم نكلف بذلك ولا يتوقف عليه شيء من أمر الدين، فالاتفاق واجبٌ على وجوب هذه الواجبات وقبح هذه المقبحات واستحقاق الثواب على طاعاتها والعقاب على معاصيها، ومثل تلك الدقائق لاينبغي أن يتعرض للكلام فيها إلا الخاصة وجهابذة الانتقاد، ونحن نقول: أنَّ الله سبحانه وتعالى الذي أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات، وكلَّف بفعل الطاعات واجتناب المعاصي من وُجُوه:
أحدها: إكمال العقل وشروط التكليف، إذ لولا ذلك لم يجب واجب ولايحرم محرم.
الثاني: بإعلام المكلف بوجوب ما يجب وقبح ما يقبح وندب ما يُندب وكراهة ما يُكره، وهو حقيقة التكليف، وقد كان من حسن عناية الله في هذه، أن أرسل الرسل وأنزل الكتب وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ، وأجرى على لسانه تحقق دقائق الأحكام وتفاصيل شريعة الإسلام، وَوَفق علماء السلف والخلف للإعتناء بتدوينها، وتحقيق فنونها وتصنيف الأسفار الكبار والصغار التي لايمكن لها إنحصار، حتى صارت الشريعة واضحة المسالك والمناهج، مشيدة البنيان، قوية الأركان، سهلة التناول قريبة المنتول، فعلمها يحصل بيسير معونة عن التنكيد والتعسير.
الثالث: أنَّ الله سبحانه وتعالى توَعَّد مَنْ عصى ولم يمتثل ماكلف به بوبيل العقاب، ووعد من امتثل وأطاع بجزيل الثواب، وأعدَّ للمحسنين أجراً عظيماً، وللمسيئين عذاباً أليماً، وتوصل إلى هداية المكلفين بأنواع الألطاف والتمكين، وبعث إليهم النبيين والمرسلين، وأنزل التوراة والإنجيل والقرآن المبين، وغيرها من كتبه التي أودعها الإيضاح والتبيين، فمن هذه الوجوه كان الله سبحانه المكلِّف الشارع الموجب المحرم بإجماع المسلمين، ومَنْ نفى التكليف والإيجاب أو التحريم عنِ الله، فقد تعدى الحدود وغلا غلواً شديداً، ونطق عن جهل وخبَطَ خَبْط عشواء، فنعوذ بالله من الجهل وأهله، والقرآن ناطقٌ بذلك، قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام:25]، {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا.....} [النساء:160] وغيرها، والسنة النبوية مشحونة بذكر إيجاب الله، وأنَّ الله فرض كذا وكذا، وهؤلاء علماء العدلية من المعتزلة والزيدية كلامهم في مصنفاتهم وغيرها مشحون بذلك فإنهم يقولون: إن قيل: ما أول ما أوجب الله عليك؟ وهذا أمرٌ ظاهرٌ لايفتقر إلى الإكثار كظهور شمس النهار ومتى احتاج النهار إلى دليل، وإنما وقع التنازع في أمرين:
أحدهما: أن بعض هذه التكاليف التي أوجبها الله وحرمها، هل يهتدي إليه العقل أم لا؟
قالت العدلية: إنَّ منها ما يهتدي العقل إلى وجوبه بحيث أن الله لو أكمل للمكلف العقل لاهتدى إلى وجوبها عليه، وأنكرت الأشعرية، ومن يقول بقولهم ذلك.