ثم نقول: هذه الأخبار في الحقيقة ليست معارضة لتلك القاعدة المحررة، لأنّ تحقيقها: أنَّه لا يجوز أن تظهر المعجزة على كذاب ادعى النبوة وقال: معجزتي أنَّه يتفق كذا من الأمور الخارقة، فقالوا: لايجوز أن يُصدِّق الله دعواه، ويُظهر على يده بعد ذلك الكلام الصادر منه ما يطابق ما ادّعاه، لأنّ ذلك يكون تصديقاً للكاذب، ويكون سبباً في أنْ لا يوثق بدعوى مدَّعٍ ونبوّة نبي، ولا يعرف الصادق من الكاذب، وهذا الدجال الموصوف في الأحاديث المعهودة قد ارتفع اللبس في شأنه، لأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر عنه وحقق أمره، وبين نعته، وعرف ((بأنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه من يكتب ومن لا يكتب)) ()، فمن علم ذلك من الأمة لم يعتبر به ومن لم يعلم ذلك فقد أُتي من قِبَلَ نفسه، والتمكن من العلم قائم مقام العلم في إبلاء العذر وقيام الحجة، وأيضا فقد علمنا من ضرورة الدين أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وأنه لانبي بعده فكل كاذب بعده لايروج كذبه وإن ظهر على يديه ماظهر، ثم نقول: أمر الدجال هذا ليس مما نحن فيه، لأنه لم يدع النبوة، ولا قال أنا نبي ودليل صدقي أني أحيي الموتى أو نحو ذلك، ثم يظهر عليه ذلك مطابقاً لدعواه، وإنما ادعى الرب الخالق المالك، وهذه دعوة لاتروج له ولا يلتبس على أحد له أدنى تمييز، فالأدلة العقلية القطعية قائمة على أن رب العزة من لاشبيه له ولانظير متفرد بصفات الجلال والكمال متنزه عن الأشباه والأمثال، ليس من قبيل الأجسام وله العزة التي لاترام، فلا لبس في ذلك ولا إشكال بحال من تأمل وحرّر الاستدلال.
فإن قلت: الأمر كما ذكرتَ، ولكن ما وجه الحكمة في أن يجري الله على يديه ما يكون جاذباً للعامة إلى اتباعه وسبباً في الميل إليه، إما لإلباس أمره وظن صدقه بما تولاه وجعله الله على يديه وأجراه مما هو خارج عن مقدور العباد ويتفرد بالقدرة عليه رب العزة سبحانه وتعالى، أو للرغبة في الدنيا ونيل تلك الأغراض العاجلة المحبوبة التي لاينالها من اتبعه، والسلامة من تلك الشرور المتعجلة التي تغشى من اطرحه، فإن صورة ذلك صورة الإغراء بالقبيح والاستدراج للناس إليه والإغواء والصد عن الدين، والحكيم سبحانه منزّه عن هذه الأمور.
قلت: قد دلّ الدليل القاطع والبرهان الساطع على عدل الله وحكمته التي لايحوم الشك حول اعتقاد ذلك، وليس من فرضنا ولا مبلغ علمنا أن نعلم وجه الحكمة في كل أمر بعينه، فحال البشر يقصر عن ذلك، ألا ترى أن موسى وهو كليم الله تعالى ونجيه ونبيه وصفيه عزب عنه وجه الحكمة في أمور يسيرة بعد أن قُدِّم إليه ما يشعر بأن وجه الحكمة فيها ثابت، ونهي عن استنكارها، فما تمالك أن استنكر، وما ثبت على التأني ولا قرّ، فكيف بسائر البشر المادين في تناول العلوم يأيدٍ قصيرة والماشين في مسالكها بأقدام كسيرة:
|
ما
للتراب وللعلوم() وإنما |
يسعى
ليعلم أنه لا يعلم
وهذا الجواب الجملي كافٍ شافٍ لأهل الإنصاف وعارٍ عن شائب الاعتساف، ثم نقول: هذا المعنى الذي وقع فيه الإشكال بما يجري على يدي الدّجال غير غريب ولا وحشيٍّ ولا نادر، بل من قبيل خلق الشيطان وتمكينه من الوسوسة، وخلق الشهوات وتسليطها على الإنسان، وغير ذلك من الأمور السماوية الداعية والمسببة إلى الإقدام على القبيح والإنصراف عن الواجب والمصير إلىالسعير.
وقد تكلفت العدلية على تقرير وجوه في ذلك تفصيلية، وإن كانت لاتبلغ مبلغ القاعدة الجملية، وحاصلها:
أنّ أصل التكليف تعريض لمنافع لا تُـنَال إلا به فحسن لذلك وإن أفضى بعض المكلفين بل أكثرهم إلى الهلاك والمصير إلى السعير التي ليس للأسير عنها فكاك، وكذلك ماكان من تشديد التكليف وتوعيره فيه زيادة ابتلاء وتعريض إلى ازدياد الثواب ونيل ما لاينال لولا ذلك من المنافع المستحقة على وجه الإجلال، كخلق الشيطان وتمكينه من الإغواء، فوجه حسنه أن المكلف إذا ثبت ولم يزغْ، نال من الثواب ما لو أنه أطاع من غير ذلك لما ناله، وكتزايد شهوة القبيح وإن كان في معلوم الله أن المكلف يعصي عند ذلك، فقد جوزه أبو هاشم إذا كان في المعلوم أنه لو أطاع وكف عن القبيح مع ذلك لاستحق من الثواب أكثر مما يستحقه لو أطاع مع عدم تلك الزيادة ونحو ذلك، فنقول: جعل الله سبحانه خاتمة هذه الأنواع ماهو أعظمها في الابتلاء والكشف عن حال من هو ثابت القدم راسخه، في الطاعة لا يتزلزل ولا ينحرف ولا يفتتن، ومن هو غير مستقر الأمر ولامستقيم الحال ولا قوي الشكيمة في دينه بأن سلط في تنسم() الساعة وأوان إطلالها الدجال الشقي ومكنه مِمَّا مكن لينتهي الثابت عليه عن المتزلزل، والمستقيم عن المتحول، وذلك غير مستغرب ولا مستبدع، فمن قبيله () وإن لم يكن بالغاً مبلغه ما يرى ويسمع عليه كثيراً من الجبابرة وسلاطين الكفر وسلطنة الظلم من وِسعَة الأحوال والأموال والتمكن من الإعطاء والمنع، وترى المُفـتَـتِـنـين بزَهرَتِهم الواقعين في شباكهم المؤثرين على دينهم دنياهم الجمَّ الغفير والعدد الواسع الكثير، وكذلك من يتوقى مضرتهم وينفعهم ويداريهم ويحمله ذلك على ارتكاب كثير من المقبحات والإخلال بكثير من الواجبات، ولا شكَّ أن أولئك دجاجلة في التحقيق وأن أعوانهم وأتباعهم والمنقادين لهم كأتباع الدجال، ووجه الحكمة على هذا تعريض الله من في زمن الدجال بتسليطه عليهم وما أقدره عليه، وما أجراه على يده بذلك إلى ثواب جليل القدر عظيم الخطر لايناله إلا من بلغ به الحال في الإبتلاء والامتحان إلى هذا الحدّ، ويشهد لذلك ما ورد في بعض الأحاديث، وهو حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يخرج الدجال ويتوجه قبله رجلٌ من المؤمنين، فتتلقاه المسالح -مسالح الدجال- فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج. قال: فيقولون له: أوَما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما هو بربنا حقاً. فيقولون: أقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحداً دونه؟ قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذ رآه المؤمن قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال: فيأمر الدجال به فيشج، فيقول: خذوه وشجوه، فيوسع ظهره وبطنه ضرباً، قال: فيقول: أما تؤمن بي قال، فيقول: أنت المسيح الدَّجال. قال: فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفر بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم. فيستوي قائماً، قال فيقول له: أتؤمن بي؟ قال: فيقول له: ما ازددت فيك إلا بصيرة، قال: ثم يقول يا أيها الناس، إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، قال: فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً فلا يستطيع إليه سبيلاً، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما أُلْقِيَ في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين)) ()، وإذا تأملت وحققت، لم تجد أمر الدجال بأعظم في الإشكال، وعدم معرفة حقيقة الحال من تكليف من المعلوم من حاله الكفر والضلال، والمصير إلىالجحيم والأغلال، وكون تكليفه أفضى به إلى تلك الحال كما أفضى إلى ذلك خلق الدجال وما له من الأقوال والأفعال، اللهم زدنا علما وبصيرة في دينك، وفهما واجعلنا من ثابتي الأقدام في الإسلام، الذين لاتحول الشبهة بينهم وبين سلوك محجة السلام، وأن نؤمن بك ونتوكل عليك، ونفوض الأمور كلها إليك، ونعلم أنك أنت العدل الحكيم الرحمن الرحيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
سؤال(ع): كيف يُبْعَث الخنثى المشكل يوم القيامة؟