سؤال(ع): منام الأنبياء عليهم السلام وحي، ولهذا بادر إبراهيم عليه السلام إلى ذبح ولده، فكيف يستقيم ما ذكره ابن هشام في السيرة وغيره: ()(أنه لما عرج به صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء، أخبره الله أنَّه فرض على أمّته خمسين صلاة، فأخبر نبينا موسى صلوات الله عليهم، فقال له: إرجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجع إليه فخفف، وهو صلى الله عليه وآله وسلم رجع مرة بعد مرة حتى اقتصر على هذه الصلوات الخمس فقط، وهو يلزم من هذا الأثر البدا، لأنه لم يقع التمكن فإن المسلمين في ذلك الحال لم يعلموا بذلك فرضاً() عن أن يمكنهم؟
الجواب على ما اعتمد عليه بعض الأصحاب وعوّل، حيث تشبث بذلك من أجاز النسخ قبل الإمكان وتعلقوا بذلك واحتجوا به في ذلك الشأن من وجوه أربعة:
أحدها: أنَّ في رواية الحديث كذلك ، نسبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى التلكئ في الإقدام بما أمر الله سبحانه وتعالى .
وثانيها: أن ذلك نسخ قبل بلوغه المكلفين والمخالف في حجاجة ما يقضي بأنه يمنع من ذلك وإن كان أصله يقتضي بجوازه.
وثالثها: أن الظاهر الذي لاخفاء به أن الإسراء متأخر عن شرع الصلاة فإن المشهور أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا يصلون الصلوات الخمس قبل ذلك المدة المديدة.
ورابعها: أنَّ هذا تخصيصٌ، والتخصيص قبل إمكان العمل جائز.
سؤال(ع): ذكر علماء الأصول في كتبهم أنَّهم فهموا دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما ورد على لسانه، ومثال ذلك ما رويَ أنَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم : ((أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، فقالوا: أمرتنا بالفسخ ولم تفسخ)) () ولم ينكر عليهم ما فهموه من دخوله في ذلك، بل عدل إلى بيان الموجب، فقال: ((إني قلدت هديا))، وكذلك يذكرون أن المخاطب يدخل في عموم خطابه، آمراً كان أو غيره، وإذا كان كذلك فكيف يكون صلى الله عليه وآله وسلم آمرا مأموراً من جهتين فإن الآمر أعلى مرتبةً من المأمور، ولأنه من المغايرة على ما ذلك مذكور مقرر ولا يخفى مثله؟
الجواب: المخلص عن الإشكال المذكور: أن الآمر في الحقيقة هو الله سبحانه، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المبلغ عنه تعالى فقط، فإذا قلنا بدخوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأمر الصادر منه، فلا يلزم أن يكون آمراً مأموراً، بل هو مأمورٌ، والآمر الله سبحانه وتعالى، وهذا وجه جلي واضح، ووجه آخر وهو أن يقول: ولو قدر أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم الآمر فليس يلزم من دخوله أن يكون آمراً مأموراً، لأنّ المعنى أن الأدلة قامت على أنَّه ما أمر به أمته فحكمه في ذلك حكمهم، لا على أنَّه مأمور بنفس الأمر الذي وجهه إليهم، بل هو مأمور بذلك من غير هذه الجهة فيقدّر أنَّه أُمر بالوحي بتلك الفريضة، وأُمر بأنْ يأمر أمته بها، فهو آمرٌ لأمته، وهم مأمورون من جهته، وهو مأمور بذلك من جهة الله سبحانه وتعالى، ووجهٌ آخر وهو: أنَّا لو قدرنا أنَّه مأمور بنفس الأمر الصادر منه، فذلك على جهة المجاز في حقِّه، والحقيقة في حقهم، وإنْ قيل بأنَّه من قبيل التجريد، فهو وجه واضح، فإن أمر الإنسان لنفسه معروف لغة ومستعمل، وينبنى على التجريد كأنَّ الإنسان جرَّد من نفسه شخصاً، ثم خاطبه وأمره على جهة الاستعلاء، هذا ما يمكن ذكره في هذا السؤال وتوجيه الجواب.
والتحقيق: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس بآمر لنفسه قطعاً، وإنما أمر أمته الموجودين المخاطبين حينئذٍ بدخوله في ذلك الحكم، وَمَنْ غاب من أمته ومن سيوجد إنَّما هو بالدليل المقتضي لذلك والله، سبحانه وتعالى أعلم.
سؤال(ع): يستدل أهل الأصول بأنه لايعمل بمفهوم اللقب في جميع كتب أصحابنا وكتب الأشاعره بأنَّه يلزم من قولنا: محمد رسول الله، نفي رسالة غيره من الأنبياء عليهم السلام ، وكذا من قولنا: العالم موجود، وزيد موجود، وزيد عالم، نفي هذه الصفات عن الغير فيلزم نفيها عن الله سبحانه، بل كان زيد موجوداً ظاهر كذبه، واللوازم باطلة إجماعا وقد يقع في النفس أن ذلك لايصلح في الإستظهار على من قال بمفهوم اللقب ولايدفع الظهور لأنّ كل من قال بالمفاهيم لايقول بها إلا مع تعذر المنطوق وعدمه، ولو سلّم خلاف ذلك فإن القاطع لايقابله الظاهر، فيعمل بالقاطع إجماعا؟