وقوله: أنَّ كثيراً من المسائل الفرَضِيَّة والفقهيَّةِ لاتعلُّق لها بغيرها، غير مخلِّص، لأنا وإن سلمنا ذلك فإنه لايُعرف إلا من جهة الغير، إذ لولا ذلك لم يحصل له ظن عدم التعلق وهو حينئذ أشبه بالمقلد فيحتاج هذا الكلام إلى تمام،  ثم أن في دليله هذا ماينبيء عن تسليم مطلوب الخصم إذ يقول فإنه يجوز حينئذ أن تكون المسألة مما لاتعلق له بالغير فلايحصل له الظن فلايصح فيه الاجتهاد ولا يتم بذلك المراد فظهر مافيه لذلك من الاستبعاد وعدم الافضاء إلى مايراد، وقوله في حجة المانع: أن المقلد. الأحسن أن يقول: المميز.

قوله: يجوز في كل مسألة...إلخ. لا يصلح دليلاً، لما قررناه، ثم أنه لم يذكر من علوم الاجتهاد التي يجوز المميز توقف المسألة عليها إلا بعضاً، ولم يذكر البقية بتصريح ولا تلويح، ومثل ذلك عند أهل التأليف ركيك، فنتج على أن جوابه مصادرة عن المطلوب وعلى غير ما أريد منه من الأسلوب وهو ترجيح الأرجح وتوضيح القول الأصح عن ذلك سئل لاعما قيل وما أورد ثمة منه دليل.

السؤال الخامس: إذا تعارضت الدلالة القولية والدلالة الفعلية، والدلالة التقريرية، فأيها يقدّم؟ إلا أن يسترجح تساويها، وعدم المزية لبعضها على بعض؟ وما قولك والحال هذه، هل يرجع إلى التخيير بينها أو إلى الترك لها وطلب غيرها؟

أجاب السيد المذكور: هذا السؤال فيه إجمال، وقد ذكر العلماء رحمهم الله في مقتضاه مايستدعى التطويل والبحث عما يفتقر إليه من التعليل.

قال الإمام(ح) عليه السلام : والجواب الواضح والمختار الراجح هو حيث لايمكن الجمع بين ماهذه حاله لخلوها عما يرجح به بعضها على بعض من المرجحات الراجعة إلى المتن والسند والمدلول والخارج تقديم الدلالة القولية على الفعلية إذ هي أقوى لأنّ القول وضع لذلك، فلا يختلف بخلاف الفعل، فإن له محامل وإنما يفهم ذلك منه في بعض الأحوال بمعونة القرائن الخارجية فيقع الخطأ فيه كثيراً.

قيل: ولأنَّ القول أعمّ دلالة لأنَّه يعم الموجود والمعدوم والمعقول والمحسوس بخلاف الفعل فإنه يختص الموجود والمحسوس، ولأن دلالة القول متفق عليها، والفعل دلالته مختلف فيها، والمتفق عليه أولى بالإعتبار، هذا ولا كلام أنَّ التقريرية في (مقتضاها) () من المحامل أكثر من الفعلية ويجوز فيها من العوارض ما لايجوز في الفعلية، فحينئذٍ يعرف أن القولية مقدمة عليها، وأن الفعلية مقدمة على التقريرية، ولو قدرنا تساويها والحال هذه، فمن مذهبه الإطراح عند التعارض يطرح ويعدل إلى غير ذلك ومن يذهب إلى التخيير يعمل بأي المتعارضات، وأما جواب السيد، فهو منتثر النظام ممجوج لذوي الأفهام وليس في السؤال ما ذكر المقام من الإجمال والإبهام، فإنه لأظهر من نار على علم، وكان الأليق بالرجل الأعلم أن يقول في مثل ذلك: لا أعلم، وعن علي عليه السلام  قال:(يابردها قولك في المجهول: لا أعلم)، على أن قوله قد ذكر العلماء ...الخ. ينقض ما ادّعاه في ذلك السؤال من الإيهام والإجمال، وقوله: والبحث عما يفتقر إليه من التعليل. قول ضئيل عليل غير نبيل، سواء كان مستأنفاً أو معطوفاً على ما يستدعي التطويل. إنتهى ما وجد منها.

سؤال(ح): ما بال المانعين من العمل بالمفاهيم يثبتون التخصيص بها؟

الجواب: أنَّ الوجه يتضح بعد تقرير محلّ النزاع، فنقول في مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((في الغنم السائمة صدقة)): العلماء مختلفون، فمَنْ أثبت العمل بالمفهوم يقول: أنَّ المعلوفة لا زكاة فيها، ومَنْ نفاه، فإنَّ المعلوفة عنده مسكوتٌ عنها، ليس فيما ذكر دلالة على ثبوت الزكاة فيها ولا إنتفاؤها، والأصل براءة الذمة، فإذا قيل: (أكرِمِ الناسَ الطوال) فالمثبتُ للعمل بالمفهوم يُخرج القصار عن ذلك، وكأنَّ ما ذكر مشتمل على نحو: (أما القصار فلا تكرمهم)، فيكون القصار مخرَجِيْنَ من لفظ العموم كما لو نطق بذلك، وأما النافي للمفاهيم فالقصار عنده مسكوت عنهم بعد أن كانوا داخلين قبل ورود الصفة، فيتوهم متوهم من هذا أنه من قبيل التخصيص، كما هو عند مثبتها، وليس بتخصيص مهما لم يقتض أنَّ القصار لايكرمون كما هو عند المثبتين، فاعلم ذلك.

سؤال(ح): استدل أهل المذهب على خلود الفسّاق بعمومات الوعيد، قالوا: ودلالات العموم قطعية لأنا علِمنا أنَّ ألفاظ العموم موضوعة له قطعاً، وإيراد الحكيم لها غير مريد ما وضعت له إلغازاً أو تعمية، ولايجوز عليه قطعاً، فعلمنا أنَّه أراد بها ماوضعت له قطعاً، وذكرتم في أصول الفقه أنَّ دلالته ظنية بدليل صحة تخصيصه والمنصوص عليه لَمَّا كانت دلالته قطعية لم يصح تخصيصه، وأدلة ذكرت غير هذه، فكيف الجمع بين المقالتين؟

الجواب: الصحيح المختار، القوي الذي ليس عليه غبار هو: أنَّ دلالة العام على ما تناوله إنَّما هي على جهة الظهور، وذلك أمرٌ جلي عليه لولب الانصاف يدور، والقطع من ذلك على مراحل وجهات، ولولا الإسهاب لأقمنا عدة من الدلالات وليس وضع اللفظ بإزاء هذا المعنى يقتضي أن تكون دلالته عليه قطعية فإن أكثر دلالة الألفاظ على معانيها ظنية، يُعلم ذلك يقيناً لا ظناً ورجماً بالغيب وتخميناً، وقولهم: أنّ إيراد الحكيم لها غير مُريد ما وضعت له إلغازاً وتعميةً غير مسلّم، اللهمّ إلا أن لا ينصب قرينة على ما أراده، ولسنا مدفوعين إلى اعتقاد جهل، إذ ورود العمومات أو أكثرها مخصوصة يقتضي أن نتوقف حتى نبحث فإن وجدنا مخصصا عملنا به، وإلا اعتقدنا الظاهر ولا ريب، فإن اعتقدنا أنه أراد ما وضع اللفظ له من أول وهلة فقد أُتينا من قِبَلِ أنفسنا، لا من جهة أنه عمّى علينا أو ألغز، ووجه التفصي عن ذلك الإشكال الوارد في تلك العمومات المخصوصة هو أنها قد تقضَّت أزمان وأحقاب ولا شعور لنا بمخصص، وقد بحثنا فلم نجده، فلو كانَ لَظَفِرْنَا به، إذ يجب تبليغه، فحيث لم يُبلَّغ، علمنا عدمه، وإذا علمنا عدمه، علمنا حينئذٍ أنَّه يريد بالعام ما وضع له قطعاً لذلك، لا لأنّ دلالة العام على مدلوله قطعية فيفهم كذلك، وهذا طرف واضح من أحسن المسالك، والله وليّ العلم.

293 / 331
ع
En
A+
A-