قال: وأما إذا كان متراخياً، فينسخه في قدر ما يتناولانه، حتى يكون العام قطعيا فيما بقي لا ظنياً كالعام الذي  خص منه البعض، فحينئذ يعرف أنه لايشترط في الخاص المقارنة، وأنه لايكفي إطلاق التأخر عليه وعلى الناسخ ولولا تسويته بين التأخر والتراخي، حيث جاء بالتراخي مكانه... حتى قال: على كلام في التراخي لما ورد عليه ذلك، فإنَّ الأغلب في الاستعمال أن يراد بالتراخي ما تأخر عن وقت العمل .

قوله: وأمَّا الإمام... الخ، فيه قصور وعليه لولب الركة يدور، وكان عليه أن يبين من أراد بالإمام، فذلك الوصف غير مختص بواحد من بين الأنام، ولا يليق بمثل هذا المقام إلا التبيين التام، ثم أنه لم يجب عن السؤال الأخير ولعلّ ذلك لأنّ الباع قصير، إن لم يكن حَمْلُه على التقصير.

السؤال الرابع(ح): ما الذي ترونه في تجزئ الاجتهاد وعدمه، فالعلماء في ذلك مختلفون، والذي يظهر بتجزئة، فإن كان ثَمّ مانع أرشدتم إليه وأطلعتم عليه؟

أجاب السيد(): أن مالكاً سئل عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع وقال في البقية لاأدري.

فإن قال قائل: أن ذلك لتعارض الأدلة، قيل له: فقد صار جاهلاً لأحكامها كجهل المقلد، وأن كثيراً من المسائل الفرضية والفقهية لا تعلُّق لها بغيرها.

وأما جواب المانع: فإنه يقول : أن المقلد يُجوِّز في كل مسألة عرف بمأخذها أن لها تعلقاً بما لم يعلمه، فلا يصح إجتهاده فيها ولايبعد أن يرى ذلك متوقفا على الكتاب والسنة، وهما يفتقران إلى علم المعاني والبيان، وأصول الفقه من حيث العموم والخصوص، والمطلق والمقيد.

قال الإمام(ح): والذي ذهبنا إليه، واعتمدنا في إجابة هذا السؤال عليه هو جواز تجزئ الاجتهاد، إذ لا مانع منه عقلاً، لأنّ الأصل عدمه، ولا شرعا، إذ الأدلة الشرعية منحصرة فيالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال ، والاستصحاب، وشرمن قبلنا، وليس في شيء منها ما يدل على ذلك، بل فيها ما يدل على خلافه، كما سيأتي.

لا يقال: غير المجتهد الكامل إذا نظر في المسألة بدليلها يجوز أن يكون لها عُلْقَةً بالفن الذي هو جاهله، لأنا نقول: قد جرت عادة أهل العلم بعد تمهيد قواعده وتحرير أدلته، وتسهيل طرقه بالعناية التامة، بحسن التأليف، وتهذيب ماطال من العلوم، فجعلوها فنونا أفردوا الكلام على كل منها، ولم يتركوا منه شيئا يذكر في غيره، وجعلوا لكلّ فن أبوابا يذكر في كل باب مايتعلق به ولا يتركون منها شيئا يتعلق بغيره إلا أن يشيروا إلى ذلك في الندرة، وجعلوا كل باب مسائل يذكرون في كل مسألة جميع ما يتعلق بها من أدلة، وأسئلة وخصوص، ونسخ، ومعارضة ونحو ذلك، حتى صارت تلك عادة تثمر الظن القوي بانحصار مايتعلق بتلك المسألة في ذلك الموضع وأن المجتهد الكبير من المتقدمين لم يكن يحصل له إجتماع تلك الأدلة، بل ماحصل لكلٍ إلا بتعاونهم وتظافرهم، فإذا نظر المميز في كلام المحققين في كتب الإسلام التي استقصى مصنفوها على جميع ما يتعلق بمسائلها من العلوم، وعرفنا أنه قد فهم ذلك كما تعرف فهم كلام من أفتاه، أو كما يعرف معنى المسألة الفقهية، والنحوية، وحصل له مع ذلك ظن قوي بحرمة بعض الأفعال، فإنه يظن أنه إن أقدم عليه تقليدا لمن أحلّه من العلماء خاف العقاب من الله عقلاً، والعمل بالظن في تجنب المضارّ أصل مهمٌ معتمدٌ عند المحققين في كثير من القواعد الأصولية، وليس يحضر مع المجتهد أكثر من ذلك، وأيضا فلو لم يجُزْ لم يقع، وقد وقع، وأنه دليل الجواز، فإنَّه اشتهر بالاجتهاد وقته صلى الله عليه وآله وسلم  من لا يُعرَف بالاجتهاد الكامل، ولا بمقاربته، من ذلك: ((أنه جاء أعرابيان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فأخبراه أنهما تيمما ثم وجدا الماء في الوقت، فأما أحدهما فاجتزأ بتيممه ولم يعد الصلاة، وأما الآخر فتوضأ وأعاد الصلاة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم  للذي اجتزأ بتيممه: أصبت السنة، وقال للآخر : أوتيت أجرك مرتين)) ()، ولم يلُم الذي اجتزأ بتيممه اجتهاداً منه، ولم يلزم الاحتياط حتى يستفتي، ومنه:حديث عمرو بن العاص، في غزوة ذات السلاسل، وهو كان أميرهم، فاجتنب، وأشفق إن اغتسل أنْ يهلك، فتوضأ وغسل مغابنه وصلى بهم) ()، وهذا إجتهادٌ منه في تركه التيمم في الرواية الصحيحة، وفي الاقتصار على غسل ماغسله، وفي إمامته لهم وهو أنقص منهم، ثم صوّبَه صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن ذلك أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم  لأبي بن كعب: أيّ آيٍة من كتاب الله معك أعظم؟ فقال:{اللهَ لا إله إلاَّ هُو الحيُّ القَيِّومُ...} [البقرة:255]، فضرب في صدره وقال: ليهنأك العلم أبا المنذر () رواه مسلم وغيره، فجعله من العلماء لفهمه ذلك، وإن لم يفهم سائر العلوم، وهذا إجتهادٌ من أُبَيّ، لأنَّ آية الكرسي أجمع آية في القرآن لصفاته تعالى، فكانت أفضل الآيات لشرف مدلولها وغيرها، وإن دلّ على ما دلت عليه، ففي آيات لا في آية، ومن ذلك: ((أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم  صالح المشركين عام الحديبية على أن يَرُدّ من هاجر إليه منهم إليهم، فأسلم رجلٌ يقال له أبو بصير، فهاجر إليه صلى الله عليه وآله وسلم  وهو في أول الإسلام لم يعرف علوم الاجتهاد قطعاً، فوصل رجلان من قريش يسألان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ردّه، فسلمه إليهما، فسار معهما، فلما بلغوا بعض الطريق قال لأحدهما: أرني سيفك، فأراه سيفه، فهزّه فضربه فقتله، ثم هرب الآخر، فرجع أبو بصير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فقال: يارسول الله قد أوفى الله ذمتك، وأنا قد فعلت كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ويل أمِّهِ مسعِرُ حرب، لو وجد ناصراً)) ()، فعَلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  سيرده إليهم إن طلبوه، ففرّ إلى سيف البحر وهاجر إليه من أسلم فاجتمعوا هناك وأخذوا طريق قريش حتى رضيت قريش أن يؤمّنهم صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا إجتهاد منه في قتله الرجل وإخافة الطريق وعدم التوقف على الأذن منه صلى الله عليه وآله وسلم  في الفرار إلى سيف البحر، واجتهادٌ أيضا ممن هاجر إليه، فلم ينكر ذلك صلى الله عليه وآله وسلم ، بل أثنى عليه لما صدر منه هذا، ولولا خشية التطويل والإسها ب، لأتينا في ذلك الباب بما لايخطر بقلوب ذوي الألباب، لأنه لا يستقصى ذلك موضعا آخر.

وأما ذلك الجواب فبمعزلٍ عن الصواب، لأنّ ما جعله حجة على التجزء على مراحل من التحرير، وبمعزل عن التهذيب والتقرير، على أنما روي عن مالك لايصلح دليلا على تحزئ الاجتهاد وليس فعله بحجة يلزم العمل بها، فيحرم منها الإبتعاد حتى في مسائل الفروع، فكيف في مسألة من مسائل الأصول، فمثل ذلك فيها غير مقبول، ولو نسلّم، فلا نسلّم تجزئ الاحتهاد في حقه حتى يثبت حجة، فإنَّ عضد الدين() وغيره من المحققين نقلوا الإجماع على كمال اجتهاده وبلوغه في ذلك قصارى مراده، فإن الحاكم بالتجزئ في حقه خبط وركب متن عمياء وتاه في الغلط، وأغرب من هذا وأعجب أن جعل المجتهد عند عدم العلم بحكم المسألة لتعارض الأدلة كالمقلد سواء كيما ما يكون ذلك مسلكاً من المسالك على ثبوت التجزئ في حق مالك، ليتم له الاحتجاج على مدعاه بذلك، وضعف مثل هذا على المتأمل لايخفى، لأن المجتهد حينئذ إن كان مذهبه التخيير رجع إلى أيهما شاء، وإن كان الاطراح رجع إلى غيرهما إن وجد طريقاً سمعياً، وإلا رجع إلى حكم العقل، وليس كذلك المقلِّد، فافهم.

واعلم أنه إنما أتى المجيب حيث لم يرمِ هنا بسهمٍ مصيب، لأنه غيَّر ما يقال هنا وبدّل ومسخ ذلك عما كان عليه وحوّل، حتى تبدل المعنى وتحول، وما ذلك إلا لقلة البضاعة وقصور باعه في هذه الصناعة، ومن رام الوصول إلى تحرير ذلك في الأصول فعليه بمطالعة نحو (المعيار)، على أن ذلك أيضاً هنالك مدخول.

292 / 331
ع
En
A+
A-