والمعاداة شبيهة بالعقاب لاشتمالها على الاستخفاف، والثواب لايكون إلا بعد استحقاق المثاب له والعقاب كذلك، فلو عمل بالتقليد فيهما لم يأمن خطأ من قلَّده فيما قلده فيه، فلا يأمن من إثابة الجريء ، ومعاقبة المؤمن البريء، وذلك قبيح قطعا، ولايفوت شيء، لعدمهما ممن لا يعلم إستحقاقهما، كما تفوت المصلحة في إيجاب نحو غسل الوجه لعدم العمل حيث لا علم، كما قررناه، بل تحصل المفسدة هاهنا من ارتكابهما حيث لاعلم باستحقاقهما من إثابة الجريء ومعاقبة البريء، وذلك قبيح قطعاً.
وتحقيق ذلك: أنَّ في جواز التقليد هاهنا مفسدة مانعة ومحيلة لذلك، والعكس في نحو غسل الوجه، إذ لولم نُجوِّز ذلك لحصلت مفسدة، فحصل من جواز التقليد في ذلك مصلحة واجتناب مفسدة، وكلٌّ منهما معتبر وحده مع السلامة من الموانع، بخلاف الموالاة والمعاداة، فإن في ذلك مفسدة عظيمة، وأما ما يحصل من المصالح للتقليد فيهما من حث المؤمن على البقاء وغير المؤمن على الإيمان، ومن هاهنا مصلحة المعاداة وما قبله، ومصلحة الموالاة من زجر الكافر عن الكفر، والمؤمن عن الدخول، فمغمور بما ذُكر من عدم الأمن من إثابة الجريء ومعاقبة البريء، إذ تلك مفسدة أقوى منها والمصلحة تضمحل حينئذ.
وأما الإشكال الثاني: فقد ذكر الإمام المهدي عليه السلام فيه جوابا حاصله: (أن العوام إنما أمروا بقتل الباغي كما يؤمرون برجم الزاني، والأئمة إنما يأمرون العوام بالقتل ونحوه دون الاعتقاد، والمعاداة أمر غير مجرد القتل، فصار الحال في ذلك كالرجم والجلد عن أمر الإمام وليس للعوام اعتقاد فسقهم حتى يكرهوا لهم مايحبون لأنفسهم، ويحبوا لهم مايكرهونه لها).
قال عليه السلام : والقول بخلاف ذلك يؤدي إلى تعذر الجهاد وإمضاء أمور الإمامات، وإلى تخطئة الأئمة كافة، وقوى بعضهم جوابه هذا، واستظهرله واتخذ له نظيرا ما إذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين أنَّ زيداً قتل عمراً، فإنَّ لوليّ دم عمرو أن يقتل زيداً وإن جوّز كذب الشاهدين.
وأما مَنْ ذهب إلى جواز التقليد في الموالاة والمعاداة كماهو رأي بعضهم، ورجحه القاضي عبد الله بن حسن الدّواري، فلا إشكال يَرِدُ عليه.
إذا تقرر لك ذلك وانجلى عن كل طرف من السؤال لك الشك الحالك، وتوضحت لك الطرق والمسالك، عرفت بطلان جواب المجيب، وأنَّه لم يَرمِ فيه بسهمٍ مصيب، لقضاء كلامه أن المهدي عليه السلام لا يجيز في غسل جملة الوجه التقليد، وإنما يثبت ذلك ويحكم به في التحديد، والمعلوم خلاف ذلك، فإنه صرح بجواز التقليد في القطعيات ونص عليه في مقدمة (الأزهار)، و(الغايات)()، ولو كان كما ذكره المجيب لم يكن لذكر القطعية فائدة، ولم يعد منه عائدة، إذ أدلة التحديد ظنية، فيسأل المقام عن موجب ذكر لفظ القطعية؟ وإن قصد إظهار الأقوى وأن غير ما ذكره الإمام من جواز ذلك في القطعية أولى، فخطأه حينئذ أجلى، إذ لم يسأل عن ذلك وإنما استفتح به ما استبهم واستعجم من تلك المسالك، وقوله: أن الامتثال لأمر الإمام لا يعدّ تقليداً... إلى آخره، لا يخفى على كل ذي لبّ سليم أنَّه ركيك قاصر سقيم، على مراحل من المنهج القويم، فإن المقلد في إتباعه المجتهد متبع لما أمر الله به بالإجماع، وقد عرفناك الإجماع على عدم جواز التقليد في الموالاة والمعاداة.
السؤال الثاني: لِمَ فرَّقَ الجمهور بين التخصيص والنسخ حيث أجازوا تخصيص القطعي بالظني، ولم يجيزوا ذلك في النسخ مع أنَّه لافرق بينهما إلا كون التخصيص في الأعيان هو النسخ في الأزمان؟
جوابه: أن يقال السبب المستدعي لإجازة الجمهور تخصيص القطعي بالظني، كون دلالة العموم على الأفراد ظنية وفي ذلك كلام يطول عند علماء الأصول، والنسخ بخلاف ذلك، إذ هو يرفع قاطعاً، إما الحكم، وإما التلاوة.
قال الإمام عليه السلام : والذي نختاره في الإجابة ونعتقد مطابقته لمحز الإصابة هو أن خلاصة مابه فرَقُوا بينهما، هو أن التخصيص دفع والنسخ رفع، والدفع أهون من الرفع، وأيضاً فإن المنسوخ قطعي الدلالة والعلم بدوامه ليس إلاظنياً، فلم يرتفع بالظن هنا إلا ماهو ظن دونه، ولو نسخ القطعي بظني، لأدّى إلى رفع القاطع بما يثمر الظن ليس إلا، وذلك غير صحيح، فإن الظن هو الذي يضمحل مع القطع لا العكس، وقد دفعنا ذلك بأقوى الطرق والمسالك، وقررناه في كتابنا (القسطاس)()، وفي شرحنا على (الورقات)()، ومن رام الاستيعاب، فعليه بمطالعة ما ثمّه، ليتضح له الصواب.
والحاصل: هو أنَّه كما أن العام ظني الدلالة وإن كان قطعي المتن ولم يرتفع بالظن إلا الظن، كذلك المنسوخ ظني الدوام، وإن كان قطعي المتن، فلم يرتفع الظن إلا بمثله وهو الدوام، إلى ماهو قطعي من المتن، لكن هذا في الأزمان، وذلك في الأعيان، فتخصيص أحدهما بذلك تحكم باطل، وأيضا فقد نسخ القطعي بالظني، وأيضاً فإن أهل مسجد قباء تحوّلوا إلى الكعبة بقول واحد أخبرهم، وكان ذلك ثابتا بطريق قاطع، فقبلوا نسخه عن الواحد، ولم ينكر عليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقدير قرائن معرِّفة توجب [قبول] أخبار الآحاد، وحمل عمل الصحابة على العمل بالقرائن بعيد، ولاسبيل إلى وضع مالم ينقل، ثم إن البراءة الأصلية مقطوع بها، فإنها ترتفع بخبر الواحد، وهو لايثمر إلا الظن، وجواب المجيب فيه اختصار مخلّ ومن حقّ الجواب أن يكون غير مخلّ ولاممل، وكان يجب عليه أن يبطل مابه فرقوا () بينهما السائل، إذ لايكفي تقويم عين ذلك المذهب بمائل، على أنه لم يَخْلُ كلامه عن الأود وعدم الاستقامة.