الثاني: أنَّه لايجوز لأحد قتل من أمر الإمام بقتله ، ولاأخذ ماله، والحال أنه غير عالم بشيءٍ من أحوال ذلك الشخص، إذ القتل فرع المعاداة، فإذا لم يجز التقليد في الأصل، لم يجز في الفرع؟
أجاب السيد: أنَّ الإشكال الأول إنَّما يقع لو كان التقليد في جملة الوجه، وأمّا إذاكان في فرعه الذي هو التحديد فجائز حينئذٍ التقليد.
وأمّا الإشكال الثاني: فيقال فيه: أنَّ الامتثال لأمر الإمام لا يعد تقليداً، إذ ذاك إتباع لما أمر الله به، والموالاة والمعاداة مُجمعٌ على عدم جواز التقليد فيهما، وذلك أمر ثانٍ، فلا تناقض حينئذٍ.
قال الإمام(ح): والذي نختاره من الجواب والله الهادي إلى طريق الصواب: هو أنَّه لاتناقض في كلام الإمام المهدي عليه السلام ، ولاتنافي يدفع الالتئام وذلك لأنّ معنى ترتب العملي على العلمي هو أنَّ ثبوت الحكم العملي إنما يكون بعد ثبوت الحكم العلمي، فحيث يثبت ذلك العلمي يثبت بثبوته العملي، والمراد بكونه علمياً هو اشتراط كون الطريق إلى ثبوته ما يثمر العلم، وأنه لايجتزى فيه بما يثبت الظن البتة، إما لكونه من مسائل علم الكلام أو نحو ذلك وموالاة المؤمن ومعاداة الكافر والفاسق من هذا القبيل.
قالوا: لأنّ الموالاة لاتجوز إلا لمن عُلم يقيناً أنه من المؤمنين، والمعاداة مترتبة على الكفر والفسق ولايثبت أيهما إلا بدليل قطعي، على ما ذلك مقرر في علم الكلام، بخلاف غسل الوجه ونحوه، مماهو عملي إذ لاترتب فيه البتة على علمي، فافترقا، وليس كون دليله قطعياً يثبت له ذلك، لأنا لا نريد بترتبه على علمي أن يكون دليله قطعيا بل ترتب ثبوته على ثبوت حكم لايكون دليل الحكم المترتب هو عليه إلا قطعياً، فافهمْ ذلك.
على أنَّه لو كان المراد بالترتب على العلمي على بعده ونبوّه عن الفهم هو أن يكون الدليل قطعياً، فليس نحو غسل الوجه من هذا القبيل إذ لايشترط في دليله إفادة العلم، إذ هو من مسائل الفروع، إذ الظن فيهاكافٍ، وإنما يتفق في بعض منها كون دليله قطعياً بحيث أنه لولم يتفق ذلك لكفى الظن وسد مسد العلم على الوفاء والكمال، لأنّ الشرائع مصالح وقد تظافر العقل والسمع على وجوب العمل بالعلم والظن في جلب النفع ودفع الضرر على السواء، كما ذلك مقرر، فلهذا التقرير وللنظر إلى مقتضى ما ذكرناه من التحرير، حرم في الموالاة والمعاداة كما حرم في أصلها التقليد، وجاز في غسل الوجه إذ الظن سَدَّ فيه مسد العلم، كما مهد أحسن تمهيد، ولنزد ذلك من الإيضاح ونفصح عنه أفصح إفصاح ونؤيده أقوى تأييد، وإن لم يكن له تعلق بالجواب، ومثله حينئذ ينتقد ويعاب ويقيد مقتحمه أشد تقييد لما فيه من الإفادة وله فيما نحن بصدده تقوية وتأكيد على إنما نضعه هنا مسائل مرقومة لتكون لمن أطلّ عليها مكشوفة ومعلومة، فلهذا لاينبغي أن تعاب الزيادة وعدم التجويد، إن قيل أن الحق في المسائل القطعية مع واحد، فلا يأمن المقَـلِّد فيها أن يقـلِّـد المخطئ، فيؤدي إلى وجوب اتباع الخطأ لجوازه، بخلاف المسائل الظنية، فيحرم التقليد في القطعية كالموالاة والمعاداة.
قلنا: أما أولاً: فإن ذلك مشترك الإلزام، إذ لا يؤمن أن يكون المجتهد إنما أفتى في المسائل الظنية أيضاً بغير ماعنده، وكذا المجتهد، إذا عرف عنه مايثمر العلم في القطعي، فليس فرضه حينئذ إلا العمل على الظن ولايؤمن معه من اتباع الخطأ، فما هو جوابكم، فهو جوابنا.
وأما ثانياً: فلأنا لو كلفنا العامي أن يعمل فيها بالعلم لكنا قد ألزمناه ما لايطيقه، إذ ليس في وسع الكل أن ينهض للتمييز بين العلمي والظني، لتوقف ذلك على أدوات يستغرق تحصيلها العمر، ولو سلّم أنَّه مقدور للكل فهو يقتضي عموم تحتم بلوغ درجة الاجتهاد، وأنّ وجوب ذلك لايختص بالخواص والأفراد، وذلك مما لم يقل به أحدٌ، وكيف يقال به وهو يفضي إلى تعطل غيره من المقاصد الدينية والدنيوية، واطّراح ذلك وعدم العمل حيث لاعلم يؤدي إلى فوات تلك المصالح وتعطيلها بالكلية، فلايتم المراد من شرعها.
وأما ثالثاً: وهو التحقيق، فإن اتباع الظن واجب لأنه اتباع ظن وإن كان خطأ، وإنما الممتنع اتباع الخطأ لأنه خطأ كما ينبئ عنه ترتيب الحكم على الوصف في قولك يجب اتباع الخطأ.
وقالوا: يحرم التقليد في الموالاة والمعاداة من حيث أن الموالاة شبيهة بالثواب لاشتمالها على التعظيم .