فما
تُميِّز بين الجدْيِ والحَمَل
الجواب: كانون: هو الثاني، أول الربيع، وتموز: أول الخريف، والحلل: معروفة مستعارة لنظارة زهرة الخريف، ومفردات البيت الثاني ظاهرة، والجدي: من البروج، وكذا الحمل، فالجَدْي: ولد المعز، والحمل: للكبش، وما يُفتَهَمُ مراد الشاعر إلا بعد الشعور بأصول مقاصده، والخبط والجزاف لا يلتقيان في مصادر التفسير وموارده، وكان الأنسب أن تكون هذه الأبيات مع العشرة الأبيات السابقة في أبحاث اللغة، ونشر السؤال بما فيها من بديع وغيره يخرجها عن ذلك، كما لم يكن السؤال في تلك عما فيها من نحو وتصريف وغيرهما مخرجا، وفي الأسئلة كتب من هذا المعنى والأمر قريب.
سؤال(ح): وما وجه جعل الضمير للغيبة أولاً، وللخطاب ثانياً في قوله تعالى: {وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر:6] وهل ذلك من قبيل الالتفات؟
الجواب: الذي يقتضيه حال الكفار الذين خاطبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك أن يقولوا يامحمد إنك لمجنون، ولكن كان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء والتبكيت، الذي أدعيت أنك نزل عليك الذكر والتهاون به حتى كأنه ممن لايوجه إليه خطاب كما قال فرعون: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء:27] ولأنَّهم مغضبون منه حين ذكروا نزول الذكر عليه تهكماً به فكأنه غائب، فلذلك جاءوا بذلك على طريقة الغيبة، ولما تعاظم غيظهم وتكاثر حمَلَهُم على مكافحته بأسوأ الكلام فلم يتمالكوا عن قولهم: إنك لمجنون، لما كان الخطاب أشفى لغيظهم وأبرد لحرارة قلوبهم وأعظم لتوبيخهم إياه، وذلك على مراحل من قصد الالتفات والله أعلم.
سؤال(ح): وقوله تعالى: {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهًمْ عِبادُك وإنْ تغفرْ لهم فإنَّك أنتَ العزيز الحكيم} ماوجه مناسبة الفاصلة؟
الجواب: كأنَّ السائل لمح إلى أنَّ الأنسب أن يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم، وليس الأمر كذلك، فإن المذكور أنسب بالمقام إذ المعنى: وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز القوي القادر على الثواب والعقاب، الحكيم الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب، وفي هذا التأدب بأبلغ الأداب واستعمال الحكمة وفصل الخطاب، والتعريض إلى أنَّهم قد فعلوا من الذنوب وارتكاب الحوب ما يستوجب العذاب، ولايعلم حكمهم بعد موته من توبة واستغفار أو زيادة في العتو والإصرار، وهو لايفعل المغفرة إلا عند حصول موجبها لما هو عليه من الحكمة، وإنْ كان قادراً على ما شاكله. كأنَّه قال: وإن تغفر لهم فلا أعلم موجب الغفران، على مقتضى الحكمة حسب العلم بحالهم والعرفان، وفي ذلك من الجزالة وقوة المعاني والرمز إلى أكيد المباني ماليس في قوله: فإنك أنت الغفور الرحيم، مع الإشارة إلى التجرم مما سلف منهم في وقته والشكوى إلى الله مما فعلوه معه، فجاء بذلك كذلك ولم يقل فهم لايستأهلون الغفران لزوماً للأدب، مع الاعتماد على ما يفي بما في النفس وزيادة بأبلغ عبارة وأرشق إشارة، ولله در الأنبياء، وبذلك تتحقق المناسبة على أبلغ الوجوه وفوق ماكان يؤمله السائل ويرجوه، ولعل في بعض كتب المعاني والبيان برهان على ما ذكرناه وأي برهان، ولكن لم يكن يحضرنا ما نحتاج إليه في هذا المكان وفي غيره الآن.
سؤال(ح): ما فائدة وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بأنه يطير بجناحيه في قوله تعالى: {وما مِنْ دَابَّةٍٍ فِي الأرْضِ ولاطَائِرٍٍ.... } الآية [الأنعام:38] فمعلوم أن كل دابة وطائر كذلك؟
الجواب: الفائدة في ذلك ظاهرة واضحة وهي القصد إلى غاية التعميم والإحاطة كأنَّه قيل: وما من دابةٍ من أي أنواع أجناس الدواب في جميع أنحاء الأرضين السبع وأطرافها وأوساطها، وما من طائر من أي أنواع أجناس ما يتصف بالطيران بجناحيه إلى جوّ السماء وفيه إلا يبعث، والمذكورات محفوظة أحوالها، مكفولة أرزاقها، معلومٌ تقلبها ومبتدؤها ومعادها، غير مهمل شيءٌ من أمورها إلى نحو ذلك، ولا تقع هذه المعاني والتعميم والإحاطة كما ذكر، لو قيل: وما من دابة ولا طائر، ولا ترى في هذا تلك الفخامة والجزالة والوسامة، وذلك يدرك بالطبع السليم والفكر القويم، والغرض من ذلك المقتضي لتلك المسالك الدال على عموم قدرته، ولطف علمه، وسعة سلطانه وتدبيره لتلك الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة الأنواع والأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها مهيمن على أحوالها لا يشغله شأن عن شأن وأن المكلفين ليسوا مخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان، فسبحان من أمره بين الكاف والنون وإذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون{فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[يس:83].
سؤال(ح): ولِمْ لا يجوز: (ما أنا فعلت هذا ولا غيري)، ولا (ما أنا رأيت أحداً)؟
الجواب: لما كان مفهوم (ما أنا فعلت) ثبوت فاعلية هذا الفعل لغير المتكلم ومنطوق (لاغيري) نفيها عنه، وهما متناقضان منعوا من جواز ذلك إستكراهاً للتناقض، وأما: (ما أنا رأيت أحداً)، فإنه لما كان يقتضي أن يكون إنسان غير المتكلم قد رأى كل أحدٍ من الناس لأنه قد نفى عنه المتكلم الرؤية على وجه العموم في المفعول فيجب أن يثبت لغيره على وجه العموم في المفعول ليتحقق تخصيص هذا المتكلم بهذا النفي منعوه.