وأما التجريد في البيان، فهو في الاستعارة نحو: (غمر الردا، ورأيت أسداً شاكي السلاح)، لأنَّه جرد المستعار عن أوصاف المستعار منه إلى أوصاف المستعار له، وهو في البديع، كقوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ} وكقولهم: (لي من فلان صديق حميم، ورأيت بزيدٍ أسداً) فجردت من زيد أسداً، وكأنَّك اختزلته عنه، وكذلك سائرها، وبين التجريدين بون ومسافة وفرق واضح يعرف مما ذكرناه، فإن التجريد الأول في الأوصاف فقط دون الذات، فلم يأت منها فيه بشيء، والتجريد الثاني في الذات أن يقتطع بعضها وتجرده عن الأصل، وشتان مابين تجريد الذات والصفات.
سؤال(ح): وما الفرق بين: التمليح والتلميح، والتعريض والتلويح، والمطابقة والمشاكلة، والتتميم والتكميل؟
الجواب: التمليح -بتقديم الميم على اللام-: من أقسام الاستعارة، كقولك للجبان: ما أشبهه بالأسد، والتلميح -بتقديم اللام على الميم- في علم البديع:وهو الإشارة إلى قصة أو مثل، كقوله: (أم كان في الركب يوشع)، وهما غيران، لا مِثْلان، فالفرق جليّ، والتعريض: ما كان قريبا، والتلويح: ماكان بعيداً، من قولهم: لوّح فلان بثوبه، واختلافهما في القرب والبعد أوضح فارق، والمطابقة: ذكر الشيء مع ضده، نحو: (يحيي ويميت، وأضحك وأبكى)، والمشاكلة: نحو {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة:116]، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40]، ولا مماثلة ولا مساواة، فصح الفرق وتوضح، والتتميم: أن يؤتى في كلام لايوهم خلاف المقصود بفصله، لنكتة كالمبالغة نحو: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ}[الإنسان:8] أي مع حبه.
والتكميل، ويسمّى الاحتراس أيضا: أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه، كقوله: (فسقى ديارَكَ غير مفسِدُها)، وكقوله تعالى {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة:54] وشتان بين ما يؤتى به لدفع الإيهام وبين ما يؤتى به للمبالغة وتقوية الكلام، والمطابقة: ذكر الشيء مع مقابلة ضده، نحو: (يحيي ويميت)، وقد تقدم ذكره.
سؤال(ح): وما يقال في قوله تعالى: { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ} [يس:20] ، {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} [القصص:20].
الجواب: إنْ قُدِّمَ حرف الجرّ ومجروره، فهو متعلق بالمجيء لا بمحذوف، ومن للابتداء، فيكون ابتداء المجيء من أقصى المدينة، ولا يفيد أن الرجل من سكنة أقصى المدينة، وإن أُخِّرَ فالأظهر أن يكون() الرجل من سكنة أقصى المدينة، ويكون (من أقصى): صفة له، ولا يتعلق بالمجيء، فيكون كل من التقديم والتأخير لنكتة، هذا مما يتقوى في الخاطر، وإن جاز خلافه، ويكون التقديم والتأخير من قبيل التفنن في الكلام().
سؤال(ح): {قَالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا}، {قَالَ الْمَلاَُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ}، {لاَ فِيهَا غَوْلٌ}، ما النكتة في تقديم الجار والمجرور تارةً، وتأخيرهما تارةً في السؤالين الأول والآخر؟
الجواب: أنَّه إذا قال: الملأ من قومه أفاد أنَّهم كفار، وأنه لم يؤمن منهم أحد، وإذا قال: الملأ الذين كفروا من قومه، أفاد أنَّ منْ قومه مَن آمن، وقد أشار إلى ذلك في الكشاف، ولعل في تقديم: من قومه، إشارة إلى الاهتمام بتقديم القوم، لكونه أخاهم وأحدهم، ثم نكِّر عليهم بالذم على تمرنهم في الكفر وديدنهم حوله مع قربهم منه واختصاصهم ولا يقصد مثل ذلك حيث أخر (من قومه)، وإنْ قصد التفنن في الكلام كان من الأغراض الوسام، وأمَّا: (لا فيها غول)، فإن تقديم الظرف فيه يدل على الاختصاص بنفي الغول عن خمور الآخرة، بخلاف خمور الدنيا، وأما قوله تعالى {لاَ لَغْوٌ فِيهَا} فهو في المعنى بمعزل عن ذلك فإن الغول غير اللغو، فإيراده مع الغول لا يليق بذي التحقيق، إذ يلمح الجمع بينهما إلى إستواء معنييهما عند السامع فينخرط في سلك من حكم باستواء الإقالة والقيلولة، واحتج على الإقالة بـ ((قيلوا، فإن الشياطين لا تقيل))، وإنما كان وزان (لا لغو فيها ولا تأثيم)، قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا}، ولكن أيهما قصد الاختصاص إذاً لقدَّم الظرف فيهما معاً، وإنما ذلك من التفنن، وقد يمكن تطلب الفرق بأن قوله: لا يسمعون فيها، بتقديم الجار والمجرور فيه، للدلالة على الاختصاص، لأنهم قد سمعوا ذلك في الدنيا، ولايقصد مثل ذلك في قوله تعالى: {لاَ لَغْوٌ فِيهَا}()، بل مجرد نفي كل غول، فلا يوجد فيها ما ينطبق عليه إسم الغول فليتأمل فالفرق جلي.
سؤال(ح): وما معنى قول أبي العلاء:
|
يخوض
بحراً نقعه ماؤه |