الجواب والله أعلم: أن الأحكام الشرعية المقتضاة عن المصالح الدينية العامة والخاصة لها وجهان :
أحدهما: ما هو ظاهر ومطيقٌ فهمه للأمة ويتسع له مبلغ علمهم، وقد صارت له قوانين وأبواب معروفه مضبوطة.
والثاني: ما يوقعه الله من الأسرار لأنبيائه وخواص عباده ويقصره عليهم ولا يتعداهم إلى غيرهم، ومن ذلك ما حكاه في قصة موسى والخضر، فإنَّ الخضر فعل أفعالاً لا مجال لها في ظاهر الشرع، ولا مساغ من قتل النفس المحرّمة، وخرق السفينة، ونحوهما حتى لم يستطع موسى صبراً عليها مع المواطأة على ذلك مرة بعد أخرى، وكما حكي أن رجلين ترافعا إلى بعض الأنبياء، فادّعى أحدهما على الآخر أنه غصب عليه أو سرق، أو استهلك بقرة، وكان الفصل ينزل من السماء فنزل بقتل المدعى عليه، فلما قيد للقتل قال: ما هذه الدعوى ذنبي ولا لأجلها أمر بقتلي، ولكني قتلت أبا هذا المدعى عليه فلذلك أمر بقتلي، بهذا المعنى القصة، وهي مذكورة في بعض التفاسير، وكذلك فللشرع الشريف فرَق بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمّته في كثير من الأحكام، فمن ذلك ما أُطْلِعْنَا عليه كتحريم نكاح نسائه بعده وغيره، ومن ذلك ما لم نطلعْ عليه لعدم موجب لتعريفنا به والاحتياج إليه.
إذا عرفت هاتين القاعدتين، قلنا: هذا الحديث إذا فرض أن مخبره على ما هو به، وأن ذلك أمرٌ، كان من المحتملات فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اطلع من موجب قتل ذلك الرجل على غير هذا السبب، أطلعه الله عليه أو أوحى إليه بجواز قتله، ولم يخبره بالوجه، كما في قصة دعوى البقرة، هذا بالنظر إلى القاعدة الأولى، وبالنظر إلى الثانية، لا يبعد أن يكون لأهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنكوحاته من الحرمة الشديدة والتحريج العظيم ما يقتضي قتل من همَّ في نسائهم، أو صدر منه أمر من مقدمات الفجور، أو تعرض لهنَّ، ويكون لزيادة هتك الحرمة الشريفة حكم ليس كسائر الأحكام في حق غيرهنَّ، ويكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تيقن أو قامت له قاعدة شرعية بصدور شيء من ذلك الرجل ولم يكن أمر بما أمر به منوطاً بالوطء المحرم، وحقيقة الزنى، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معصوم عن وقوع ذلك في نسائه ومنزه عنه، ولا يبعد أن يلتحق بهن حكم أم الولد فهي وإن نقصت درجتها عن الزوجات من وجهٍ، فلها زيادة حكم بولدها، وكونها اختصت بذلك من بين نساء النبي الموجودات حينئذ، فهذه محاملٌ حسنة يرتفع بها الإشكال بنفس الأمر بقتل الرجل، وأما الكف عنه بعد الاطلاع على كونه مجبوباً، فلا إشكال فيه، وليس إباحة قتله ومساغه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوجه قد تيقنه، أو وحيٌ أُنزل إليه يمنع من ترك قتله، فله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفو عمن يستحق القتل بأبلغ سبب كالكفر ونحوه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن سمع أبيات() أخت النظر بن الحارث: ((لو سمعتُها قبل قتلهِ ما قتلتُه))، وكان من أشد الكفار استحقاقا للقتل، ولعله صلى الله عليه وآله وسلم توهَّمَ أنه ما أمر بالقتل إلاّ لكونه زانياً، فلمّا فهم أنَّه مِمنْ يتعذر عليه الزنا كفّ عنه، ولما كف عنه لم يستحسن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بقتله مرة أخرى ولا نقض ما أبرمه علي عليه السلام من العفو عنه، وقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه قتل أبي سفيان حين دخل عليه مع العباس وقد قرب صلى الله عليه وآله وسلم من مكة يوم فتحها، فلما لم يفعلوا ولا فطنوا لما أراد لم يأمرهم بعد بقتله ولا أذن به بعد أن فهموا ذلك منه وأخبرهم بما كان في نفسه، وبالجملة فصدور هذا ونحوه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو صاحب الشريعة لا يقدح ولا ينبغي إشكاله، فإن الشريعة كلها بل أكثرها مخالفة لمقتضى العقول ولا عدم إباحة مثل هذا لنا بعده صلى الله عليه وآله وسلم يعد قدحاً فيه، ولم يتعلق به حال أرفع ومكان أمنع، وفي سيرته صلى الله عليه وآله وسلم غرائب ليست على مقتضى ما قرّره علماء الأمّة من شريعته، قد أشار إليها في (البحر)، وسماها غريب السيرة، كقصة كعب بن الأشرف، وغيرها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
سؤال(ع): إذا ورد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهي وإباحة، أو أمر وإباحة، أو نهي وأمر، أيها يترجح على الآخر؟
الجواب: أن النهي يُرجَّح بالإباحة، والأمر يرجح بالإباحة، والنهي يرجح بالأمر، وهذه مسائل مقرّرة في باب الترجيح من فن الأصول.
قال السائل مالفظه: هذا لجٌ عميق القرار وفجٌ سحيق الأقطار وقد رأيت إيراد أبيات من شعر الأعراب لأنها أليق بالمتطَّلع النَّقَّاب وأوفق لإصابة الصواب، قال الأعشى يصف السحاب:
|
له
رِدَافٌ جوزٌ مُقَامٌ عَملٌ |
مُنَطَّقٌ
بِسِجالِ الماء مُتَّصِلٌ