الجواب: وهذا الحديث مما رواه الترمذي عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  وهو يتضمن الحث على برَّ الوالد ويشير إلى أنه واسطة عقد المصادر المزلفة والموارد، وهو مُفَرَّغ في قالب (مَنْ أحب أنْ يدخل الجنة من أوسط أبوابها فعليه ببر والده) ولاشك في ذلك، أو أنه من أبلغ الطرق إلى ما هنالك وأعظم المناهج والمسالك، وكفى بقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:23] ونحوها من الآيات، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم  حين اعتلى المنبر ثمَّ التفت إلى الحاضرين ليخطبهم: ((ألا أخبركم بأكبر الكبائر… قالها ثلاثاً، ثم قال: الشِّرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، ألا وعقوق الوالدين، ألا وعقوق الوالدين، ألا وعقوق الوالدين)) () ولفظ هذا الحديث في المجتبى عن أبي الدرداء أن رجلا أتاه وقال: إنَّ لي امرأة، وإن أبي يأمرني بطلاقها، فقال له أبو الدردا: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة، فإنْ شئتَ فأضِعْ ذلك الباب أو احفظه)) ().

سؤال(ح): ((الرؤيا من الله والحلم من الشيطان))؟

الجواب: المراد بالرؤيا: هي ما يحبه الإنسان، وبالحلم: ما يكرهه، فما رآه النائم في منامه، فما كان من الأول فرؤيا، وما كان من الثاني فحلم، وتمام ذلك الحديث: ((فإذا حلم أحدكم حلماً يكرهه فلينفث على يساره ثلاثًا وليتعوذْ بالله من شرّها فإنها لن تضرّه)) ()، وفي طريق أخرى: ((فليبصق على يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات)) ()، وفي أخرى: ((وليتحول عن جنبه الذي كان عليه))، وعن قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  أنَّه قال: ((الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان فمن رأى رؤيا فكره منها شيئاً فلينفث عن يساره وليتعوذ بالله من الشيطان فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحداً، فإنْ رأى رؤيا حسنة فليستبشر، ولا يخبر بها إلاّ من يحب))، وفي الصحيحين من حديث حماد: ((الرؤيا ثلاث: الرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحديث من الشيطان، ورؤيا مما يحدِّث المرء نفسه، وإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم وليصَلِّ ولا يحدّث بها الناس)) (). انتهى. فيمزق حينئذٍ كل شكٍ ولبس وريب في ذلك الحديث وإلباس، ويحول عنه إلى الظهور والوضوح ذلك الالتباس، وللنووي في تفسير ذلك الحديث كلام على ما تقتضيه قواعدهم، وفيه بيان عظيم فخيم وسيم يشفي القلب الكليم وينفي الكرب المقيم ويحكي درك الثأر المنيم()، ويهدي إلى الصراط المستقيم في تفسير كل معنى ثَمَّ بهيم، قال: أما الحلم فبضم الحاء وإسكان اللام، والفعل منه حلَم بفتح اللام، وأما الرؤيا فمقصور مهموز، ويجوز ترك همزها، قال الإمام الماوردي: مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا: أن الله تبارك وتعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو سبحانه يفعل ما يشاء لا يمنعه نومٌ ولا يقظة، وإذا خلق هذه الاعتقادات وجعلها عَلَمَاً على أمور أُخر، يخلقها في ثاني الحال، أوكان قد خلقها فإذا خلق في قلب النائم الطيران فليس بطائر، فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمراً على خلاف ما هو فيه، فيكون ذلك الاعتقاد علَمَاً على غيره، كما يكون خلق الله سبحانه وتعالى الغيم علَماً على المطر، والجميع خلق الله ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علَمَاً لما يسر بغير حضرة الشيطان، وخلق ما هو عِلْمٌ على ما يضر بحضرة الشيطان فينسب إلى الشيطان مجازاً لحضوره عندها، وإنْ كان لا فعل له حقيقة، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)) لا على أن الشيطان يفعل شيئا، فالرؤيا: اسم المحبوب، والحلم: إسم المكروه، وقال غيره: إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف، بخلاف المكروه، وإن كانتا جميعا من خلق الله وتدبيره وبإرادته، ولا فعل للشيطان فيها لكنّه يحضر المكروهة ويرضاها ويُسرّ بها.إنتهى.

سؤال(ح): ((رؤيا المؤمن جزء من أربعين جزء من النبوة))، وفي رواية: من سته وأربعين جزء، وفي رواية: من خمسة وأربعين، وفي رواية: من سبعين، وفي رواية: من تسعة وأربعين، وفي رواية: من خمسين، وفي رواية: من سته وعشرين، وفي رواية: من أربعة وأربعين؟

الجواب: قال القاضي عياض: أشار الطبري إلى أنّ هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي، فالمؤمن الصالح تكون رؤياه من ستة وأربعين جزءاً، والفاسق جزء من سبعين، وقيل: المراد أن الخفي منها جزء من سبعين، والجلي جزء من ستة وأربعين.

قال الخطابي وغيره: قال بعض العلماء: (أقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يُوحَى إليه ثلاثا وعشرين سنة) وكان قبل ذلك بستة أشهر يرى في المنام الوحي وهو جزء من ستة وأربعين جزء، فنسبة الأشهر نصف سنة، فصار جزء من ستة واربعين جزء من أيام نبوته.

وقال بعض أهل العلم: وقد سُئل عن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة)) ()؟ فقال: تمحو على موافقة النبوة لا أنها جزء باق من النبوة.

وقال آخر: إنها جزء من أجزاء علم النبوة وعلم النبوة باقِ، والنبوة غير باقية بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ((ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له)) وفي نهاية ابن الأثير: أن حديث جزء من أربعين جزء محمول على رواية من روى أنَّ عمره صلى الله عليه وآله وسلم  كان ستين سنة، فيكون نسبة ستة إلى عشرين سنة كنسبة جزء إلى أربعين جزء، قال: ووجه أنها جزء من خمسة وأربعين أنَّ عمره لم يكن قد استكمل ثلاثاً وستين ومات في أثناء السنة الثالثة والستين، ونضيف نصف السنة إلى اثنتين وعشرين سنة وبعض الأجزاء ستة جزء من خمسة وأربعين.

سؤال(ح): وهي أنَّ الرؤيا على رِجْلِ طَائرٍ مالم يتحدث بها، فإذا تحدث بها سقطتْ ؟

الجواب: قال في نهاية ابن الأثير: أي على رجل قدرٌ جارٍ وقضاءٌ ماضٍ من خيرٍ وشرٍ وأن ذلك هو الذي قسَّمه الله لصاحبها من قولهم: اقتسموا داراً، فطار سهم فلان في ناحيتها أي وقع سهمه[وخرج وكل حركة من كلمة أو شيء يجري فهو طائر]، والمراد أن الرؤيا هي التي يعبرها المعبر الأول فكأنها كانت على رجل طائر فسقطت فوقعت حيث عبّرت كما سقط الذي [يكون] على رجل الطائر بأدنى حركته   .

248 / 331
ع
En
A+
A-