ولم يأكلوا ذلك الحوت إلاّ وقد تحيلوا لجواز أكله باتخاذ الحياض قبل السبت فلم تغنِ عنهم تلك الحيلة قليلاً، ولا كانت طريقاً إلى النجاة سبيلاً، فكيف بالعلماء الذين يتسلقون ببيع الرهان إلى أكل أموال الناس بالباطل، وبِوَقْفِ الأموال لحرمان وارث، ونقض حكم الملك العادل، ويتخذون الوسائل إلى إسقاط حقوق الله الواجبة واستحقاق مالا يستحقونه ويخلعون الحائل() ويتعللون ويتعذرون في التهافت والتساقط عند الظلمة وعلى أبوابهم بما ليس تحته من طائل، والله يقول: {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود:113] والركون: الميل اليسير، ويقولون مالا يفعلون، والله على لسان كل قائل، دع عنك سائر المراتب والتضمخ بأدنس المثالب وأدرن المعايب فتعداد ذلك يطول ويفتقر إلى أبواب وفصول، ولا انحصار لما شاب من الشوائب، ومن أين تعرف قلة الهالكين وكثرة المهرولين في المحجة السالكين وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الناس كلهم هلكى إلاّ العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلاّ المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم)) وأشباه ذلك، وفي أخبار الفتن ما إذا رآه الموفق سكن قلبه بما ذكرناه واطمأن، أعاذنا الله منها ما ظهر منها وما بطن، ورزقنا وإخواننا فيه النجاة من النار، وغفر لنا ما اقترفناه من الجرائم والمآثم والأوزار، وأسعدنا لديه بفضله وكرمه لحُسْنِ الجوار، وجعلنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشُّهداء والأخيار، وجعل خيار أعمالنا خواتمها، وخيار أيامنا يوم نلقاه، وأحسن لنا عاقبة الأعمار.
سؤال(ح): ما تأويل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ، ومن قال في القرآن برأيه فأخطأ فقد كفر، من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار))؟
الجواب: أما قوله صلى الله عليه وآله سلم: ((مَنْ قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)) فقد ذكره الترمذي وراويه جندب بن عبد الله البجلي، وأما الشطر الثاني من الحديث الأول فهو زيادة زادها رزين، وأما الحديث الثاني فهو في الترمذي أيضاً.
وقد اطَّلَعْنَا على كلام لبعض المحققين في شأن الخبرين يكفي في الجواب ويهدي إن شاء الله إلى الصواب، وهو: أن الرأي هنا يحمل على وجهين: أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه، وهو أن يتأول القرآن على وفق رأيه، وهو ليحتج به على صحيح غرضه، ولو لم يكن ذلك الرأي والهوى لكانت لا تلوح له من القرآن تلك المعاني، وهذا الوجه يكون تارةً مع العلم، كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته ليلبس على خصمه، وهو يعلم أنه ليس المراد بها ذلك، وتارة مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى ما يوافق غرضه، فيكون قد فسر برأيه، فرأيه الذي حمله على ذلك التفسير.
والوجه الثاني: من المنع عن الرأي هو: أن يتسارع إلى التفسير لظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من ألفاظ مبهمة، والاختصار والإضمار والحذف والتكرار وغيرهما، فمن لم يحكِّم التفسير وبادر إلى الظاهر واستنبط المعنى، كثر غلطه ودخل في زمرة المفسرين بالرأي، ولابد من النقل والسماع في ظاهر التفسير أولاً لينفي به مواضع الغلط ثمَّ من بعد ينبغي التفهم والاستنباط للغرائب التي لا تفهم إلاّ بالسماع فلا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل الوصول إلى الظاهر، ألا ترى إلى قوله: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} [الإسراء:59] يعني آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها، فالناظر بالعربية يعتقد أن الناقة مبصرة لم تكن عمياء، ولا يدري بما ظلموا وأنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم، وأمثاله من الحذف كثير في القرآن العزيز.
سؤال(ح): ((أتاني ربي في أحسن صورة... إلى أن قال: فوضع يده فوق كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي)).
الجواب: المراد بإتيان الله: إتيان رسوله جبريل عليه السلام ، وحذف المضاف كثيرٌ، مثل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف:82]، و{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [البقرة:210]، أي أمر الله أو بأس الله، و{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [الأنعام:158]، أي كل آيات ربك لـقوله: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}، واليد والبرد على حقيقتهما، أو أتاني روح ربي، وذكر اليد والبرد من ترشيح المجاز، وليس في وروده كذلك تعمية ولا إلغاز، لتكرر مثل ذلك في كلام الفصحاء والبلغاء وأهل الإسهاب والإيجاز، وهذا الحديث فيما() تفرد به الترمذي، والرواية الشهيرة: (أتاني الليلة آت من ربي... إلى آخره) على طوله، وذلك يؤيد تقدير الرسول ويقويه وإذا تعذر الحمل على الحقيقة وجب الرجوع فيه إلى أقرب مجاز، فالأمر واضح جلي لا يعزب عن الألمعي.
سؤال(ع): قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((عُرِضَتْ عليَّ ذنوب أمتي، فلم أرَ أعظم ذنباً من سورة من القرآن أو آية أوتيها الرجل ثمَّ نسيها)) ()؟
الجواب: هذا الحديث مشهور مسطور في كثير من كتب الأحاديث ومذكور، ومن العلماء من حمل النسيان على ظاهره، ومنهم من صرفه إلى ترك أحكام ذلك وعدم العمل بها فيما لا تعبد في تلاوته كالمحتاج إليه في الصلاة ونحو ذلك، وهذا القول هو الأقرب والأظهر والأصوب.
سؤال(ح): ما تفسير قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الوالد أوسط أبواب الجنة)) ؟