الجواب: أنَّ الحديث المذكور كما ذكره السائل ظاهره مشكل وهو مما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، وذكره المنذري في كتاب الترغيب والترهيب، والحديث الآخر الذي ذكره صاحب المقاليد أخرجه أبو داود من رواية سعد بن عبادة ولفظه: ((ما من امرءٍ يقرأ القرآن ثمَّ ينساه إلاّ لقي الله أجذم)) ()، قال الخطابي() في شرح السنن: الأجذم المقطوع اليد فيما قاله ابو عبيد، وقال ابن قتيبة هو المجذوم وقال ابن الأعرابي معناه أنه لقي الله خالي اليدين عن الخير.
وأقول وبالله التوفيق: أما الحديث الآخر فيمكن تمشية ظاهره على تفسير ابن الأعرابي للفظة أجذم، فلا شك أن من نسي القرآن بعد حفظه، فقد خَلَتْ يداهُ عن الخير الذي كان فيه من تركه حفظه، وثوابه وأجر تلاوته ولاخير إلاّ ذلك الخير، فهو مستقيم ومعناه صحيح سليم، وأما حديث أنس فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنَّهُ خبر آحادي لانعلم صحته، وهو مخالف للأصول، فإن القواعد تقتضي أنه لا إثم على الناسي، وإن فرض أنه آثم، فلا يتصور أن يكون ذنبه أعظم الذنوب وأفحشها، والخبر الآحادي إذا ورد بمثل هذا لم يعتمد عليه ولا يلتفت إليه، وقد أشار المنذري إلى القدْح في بعض رواته، فقال: رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب() في الكتب التي أخرج فيها كلها مقدوحٌ فيها، قال ابن حجر في تقريب التهذيب: (المطلب) هذا كثير التدليس والإرسال، وكذلك وقد أشار المنذري إلى القدح في الحديث الآخر الذي من رواية سعد بن عبادة بأنَّ أبا داود رواه عن زيد بن أبي زياد (هاشمي)، قال ابن حجر: كَبُرَ وتغير.
الوجه الثاني: أنه إذا بني على صحته، فتأويله ممكن، وهو أن يحمل النسيان فيه على ما فسّر به جار الله الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: { كذلك أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيْتَها} [طه: 126] فإنه رحمه الله، قال: المعنى، أن آياتنا أتتك واضحة مستنيرة، فلم تنظر إليها بعين المعتبر ولم تبصر وتركتها وعميت عنها وهذا معنى مستقيم، ومثله يعد من الذنوب بل من عظائمها، فإنه من لم ينظر إلى كتاب الله وآياته ونسيها، وعمي عنها وعمّا تضمنته من الأوامر والنواهي و [غير] ذلك [مما] يتضمن التفريط في أوامره والارتكاب لمناهيه، فقد عظم ذنبه وغضب عليه ربه والله أعلم، ولم يذكر في الكشاف نسيان التلاوة، ولا حام حوله، ولنا في ذلك، وفي وعيد الترهيب ووعد الترغيب وما فيها من المبالغة التي لا تتمشى على ظاهرها إلاّ بتأويل كلام في كتاب المعراج()، آخر باب الوعد والوعيد، ولا ينبغي أن يَعْدِلَ عنه من طلب التحقيق في هذا المعنى ويريد.
سؤال(ح): وردت أخبار كثيرةٌ رواتُها كثير، قويةٌ طرقها، دالةٌ على أن لمس الفرج ولمس المرأة من نواقض الوضوء ، وروت عائشة فقط أنه صلى الله عليه وآله وسلم قبّل امرأة من نسائه ثمَّ خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، وروى طِلق بن علي: ((أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لمن سأله عن لمس الرجل ذكره أينتقض وضوءه؟ هل هو إلاّ بضعة منه)) فلمَ ذهب أصحابنا إلى العمل بهذين الأخيرين، مع احتمال أولهما كونه مختصاً به صلى الله عليه وآله وسلم ، واحتمال حديث طلق للنسخ، لتقدّم إسلامه، مع عدم تصريحه بكونه غير ناقض؟
الجواب: أما مسّ الفرج فاختار أصحابنا أنه لا يُنتقض الوضوء به، لحديث طلْقْ المذكور، ولحديث أبي أمامة الذي رواه: ((أنه سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن مسِّ الذكر؟ فقال: هل هو إلاّ جذوة منك))، ولقول علي عليه السلام : (ما أُبالي أنفي مسست أم أذني أو ذكري)، ورجحوها بصحة أسانيدها عندهم وضعف أسانيد ما عارضها، وإن سلِّم التعادل، ففي العمل بأخبارهم جمعٌ بين الأخبار، إذ يُحمل ما يقتضي الوضوء على الندب أو على غسل اليد كالوضوء مما مسته النار، والجمع هو الواجب مهما أمكن ولا يعدل إلى غيره إلاّ عند تعذره، ولا تعذر فوجب العمل بالأخبار القاضية بعدم الوجوب، ومما رجح به أهل المذهب تلك الجنبة: قول علي كرم الله وجهه بذلك، وهو باب مدينة العلم، وكان مالك بن أنس يذهب إلى أن الأمر بالوضوء للاستحباب لا للإيجاب، وهو الغرة الشادخة() في المحدثين بل هو أكبرهم سناً وأقربهم مرتبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأمرٍ ما أختاره أبو حنيفة وأصحابه، وقد احتج من رأى فيه الوضوء بأنَّ خبر بُسرة بنت صفوان متأخرٌ، لأن طلقا قدِم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بدء الإسلام، وهو إذ ذاك يبني مسجد المدينة أول زمن الهجرة، وذلك لا يفيد، إذ الأرجح أن ذلك ليس بوجه ترجيح، ولهذا أجتمع رأي أحمد بن حنبل في عدم وجوب الوضوء لِلَمْسِ الذّكَرِ، ويحيى بن معين، وكان لايرى ذلك في المناظرة في هذه المسألة على إسقاط الاحتجاج بالخبرين خبر بسرة وخبر طلق، ولو كان لتقدم إسلام أحد الراويين ما يقتضي رجحان حديث متأخر الإسلام، لَحُجَّ أحمد ويحيى.
قوله: مع عدم تصريحه بكونه غير ناقض، غير مُسَلّم، إذاً لذكر ذلك في الاحتجاج على ترجيح حديث بسرة، وذلك ظاهر، وأما لمس المرأة فحديث عائشة دليل صريح صحيح قوي جلي واضح راجح، وأوردتُّه في الاحتجاج على ما اختاره الأصحاب، فلا معنى لذكر أنه مما اختصّ به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ذكر السائل أن الأخبار الدالة على أن لمس المرأة من نواقض الوضوء كثير رواتها قوية طرقها، ولم نر من ذلك إلاّ ما هو موقوف على بعض الصحابة غير مسند إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذاً لكان في كتب الأحاديث الحافلة، ولا ذكره صاحب (البحر) و(الإنتصار) في الاحتجاج كما ذكروا احتجاجهم لقوله تعالى: {أو لامَسْتُمُ النِّسَاءَ}[المائدة:6] وأبطلوا الاحتجاج بالآية في ذلك، بأنَّ عائشة روت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن الملامسة هي الجماع، وكذا أنَّ علياً وابن عباس فسّراها بالجماع، قال الموزعي: ولاشك أن اللمس والملامسة يُكنىّ بهما عن الجماع في عرف الشرع وهو شافعي المذهب، قال: والصحيح عندي حمل الآية على هذا المعنى كما فسر ابن عباس، لأن حمل خطاب الشرع على عرف الشرع أولى من حمله على وضع اللغة وعرفها، ولم ترد الملامسة والمماسَّة في الكتاب والسنة إلاّ للجماع لا للملامسة باليد.
سؤال(ح): علامَ يُحْمَلُ قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلاّ فرقة واحدة)) ()، بعد إخباره بافتراق أمة موسى إلى إثنتين وسبعين فرقة، كذلك فإن ظاهر هذا الخبر يدل على أن هذه الأمّة أسوأ حالاً من غيرها من الأمم، إذ الهالك فيها أكثر من الهالك في غيرها؟
الجواب: لا دلالة في الخبر على ما ذُكِر، ولا يقتضي أن الهالك من هذه الأمّة أكثر، وأعظم ممن سبق وأوفر، لا لو علمنا تساوي الأمتين في العدد، ولا يمكن أن يَعلَمَ ذلك منّا أحـدٌ، مع العلم بتساوي عدد الفرق ممن لحق، وممن سبق، ولا يَعلَمُ ذلك إلاّ من خَلَق، يوضحه أنك لو فرضت كل فرقة من الاولين مائة ألف أو أكثر، ومن الآخرين خمسين ألفاً، فليس إثنتان وسبعون من هؤلاء بأكثر من إحدى وسبعين من أولئك، فأين أثر ذلك البرهان القاطع والدليل الساطع، فلا دلالة في الحديث ولا حجة ولا نهج فيه إلى ما ذكره ومحجّة، ولو تحققنا التساوي على كل تقدير، لم يتم ما رمز إليه السائل وأفرغه في قالب ذلك التصور، إلاّ إذا لم نقل أن الفرقة الناجية صالِحُوا كل فرقة، على ما اختاره نحاريرٌ من الطوائف المُحِقّة، ومثل ذلك لا يفتقر إلى تنبيه، ولا يعزب عن اليقظ النبيه، ولو سلمنا تحقق جميع ما قد سبق وكان مثل ذلك مما قد اتفق واتّسق لم يمتنع أن يكون الهالك من هـذه الأمّة أكثر، وما مثل ذلك يُستنكر ولا يُستكثر، إلاّ لو قام برهان على ما اعتقد السائل، وتضافرت عليه الطرق والدلائل، فيقال قد حصل التعارض وظهر التنافي والتناقض ووجب التأويل ويطلب السبيل، ولم تقم الأدلة إلاّ على أن هذه الأمّة خير أمة أخرجت للناس، والمراد المؤمنون حقاً {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [الأحقاف:13] وما بدلوا ولا حولوا، ولا حول الضلالة حاموا، وقليلٌ ما هم {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ} [سبأ:13]، والناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة.
وليس المراد بكونهم خير أمة أن الهالكين من أولئك، ولولا الميل إلى الاختصار والعكوف على الديدنة حول حل ما اشتبه والاقتصار لذكرنا من أحوال ضلال هذه الأمّة ما يُنادَى عنده بالحسرة والغمة من اجتماع ما يتشتت في سوالف الأمم من الجرائم والكبائر والمآثم واللمم المستوجبة حلول البلاء والنقم وسلب ما خولوا من الآلاء والأيادي والنعم، من الخسف والمسخ والغرق، والصيحة والرجفة والخصب والصعق، لولا أنها أمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرحومة غير معاجَلَة بالعذاب ولا معمومة كما دلت على ذلك البراهين المعلومة، ولله الحسن البصري حيث قال عند ذكر قصة أهل أيلة: (أكلوا والله أوخم أكلَةٍ أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة، هاهٍ هاه، وأيم الله ما حوتٌ أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم، ولكنّ الله جعل موعدا {وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر:46].انتهى.